"الأقرب إلى الحقيقة"، كيف أصبحت "السلفية" هى الإسلام فى وعى العامة؟
"حين يتم اختزال الدين"
(٢)
لم يبدأ اختزال الدين حين ظهرت مدرسة فقهية معينة،
ولا حين انتصر رأى على آخر داخل تاريخ طويل من الجدل والاجتهاد.
بل بدأ حين توقف الناس عن إدراك أن الدين أوسع من أى تفسير واحد له.
فالدين، لم يكن نسخة جاهزة، ولا خطابًا أحادى الصوت، ولا طريقًا واحدًا يفرض على الجميع بوصفه هو الطريق الوحيد. بل كان ساحة مفتوحة للتساؤل، ومجالًا حيًا للاجتهاد، وحوارًا مستمرا بين النص والعقل والواقع المعاش.
الوعى داخل المجتمعات تصنعه القوى الناعمة التى تحيط بالإنسان منذ طفولته. ما يسمعه، ما يخاف منه، ما يتم اعتباره مقبول اجتماعيًا.
ما يقال له إنه “الدين الصحيح” دون أن يمتلك الفرصة لأن يرى غيره أصلًا.
وهنا يبدأ التحول الأخطر، ليس حين ينتصر تفسير دينى معين، بل حين يختفى كل تفسير آخر من المجال العام.
لأنه عند هذه اللحظة، لا يعود الناس يظنون أن هناك آراء متعددة داخل الدين، بل يبدأون فى الاعتقاد أن ما يرونه أمامهم هو الدين ذاته…
كما لو أنه لم يوجد غيره يومًا.
كان ذلك هو ما حدث بالفعل.
ففى لحظة ما من التاريخ الحديث، تراجع حضور التعدد الفقهى والفكرى بين الناس، وصعد خطاب أحادى يقدم نفسه، لا باعتباره فهمًا ضمن العديد من المفاهيم، بل باعتباره هو “الإسلام الوحيد ”.
لم يحدث هذا من خلال المناظرات العلمية، ولا عبر تصارع موضوعى للأفكار، بل عبر شبكة معقدة من العوامل، عملت ببطء، لكن بفاعلية شديدة، حتى أوصلتنا إلى هذه اللحظة.
أصبح الإعلام هو الذى يقرر من هو “العالم الحقيقى”.
وأصبحت سطوة المال هى التى تحدد أى خطاب من المفترض أن يصل إلى الناس وأى خطاب يجب ان يبقى فى الظل.
تحتاج السلطة فى كثير من الأحيان إلى دين يضبط المجتمع أكثر مما يحرره. لذا لم يكن من الغريب أن يحول النظام التعليمى الفقه من كونه مساحة للتفكير، إلى مجموعة من الإجابات النموذجية المحفوظة.
وأن يتم تبنى ثقافة دينية تقوم على التخويف أكثر مما تقوم على الفهم.
ومع مرور الزمن، لم تعد تلك الأصوات تقدم هذا التفسير الأحادى باعتباره الأقرب للصواب، بل بدأت تقدمه على أساس أنه الدين نفسه.
وهكذا، تشكل وعى دينى جديد لدى قطاعات واسعة من الناس.
وعى لا يرى التعدد التاريخى، ولا يعرف صراعات المدارس، ولا يدرك أن ما يظنه “ثوابت أبدية” كانت يومًا ما محل نقاش واسع بين علماء كبار.
وعندما يولد جيل كامل داخل تصور واحد للدين، فإنه لا يشعر أنه اختار هذا التصور، بل يشعر أنه ولد داخل الحقيقة نفسها.
وهنا تكمن القوة الحقيقية لأى خطاب أحادى.
ليس فى قدرته على الإقناع… بل فى قدرته على إخفاء البدائل.
المشكلة الأعمق لا تقف عند حدود الفهم الدينى نفسه.
لأن اختزال الدين فى تفسير واحد، نادراً ما يتوقف عند مستوى الأفكار.
بل غالبًا ما يمتد تدريجيًا… من المعنى إلى الشكل،
ومن القيم إلى الظواهر الخارجية، ومن الجوهر الأخلاقى… إلى الرموز المرئية.
وهنا يترأى لنا سؤال أخطر…
ليس عن أى تفسير هو الأقرب إلى الحقيقة، بل عن كيف يمكن للدين نفسه أن يتحول، فى وعى الناس، من منظومة قيم أخلاقية وإنسانية عميقة، إلى مجرد مجموعة من العلامات والطقوس والمظاهر الخارجية.
ولكى نفهم كيف يحدث هذا التحول، علينا أن ننظر إلى الدين لا كنصوص فقط، بل كـظاهرة اجتماعية حية تتشكل داخل المجتمع.
فالإنسان العادى لا يتلقى الدين من الكتب أو المخطوطات القديمة، ولا من الجدل الفقهى المعقد، بل يتلقاه من الصور اليومية التى تحيط به.
ما يراه على الشاشات، ما يسمعه فى المنابر، ما يتعلمه فى المدارس، وما يخاف أن يخالفه داخل المجتمع.
وهنا تتشكل منظومة كاملة…
لا تفرض نفسها بالقوة المباشرة، بل تتسلل إلى الوعى تدريجيًا حتى تصبح فى النهاية هى “البديهة السائدة ”.
فى المجتمعات الحديثة، لم يعد السؤال، من يملك الحقيقة؟
بل من يملك القدرة على الوصول إلى الناس؟
فحين يتكرر صوت واحد لعقود، وتمنح الشرعية لمدرسة واحدة، ويتم تقديم قراءة معينة باعتبارها القراءة “الآمنة” أو “الصحيحة”، يبدأ الوعى العام فى إعادة تشكيل نفسه حول هذا النموذج.
ليس لأن الناس درست البدائل ورفضتها، بل لأن أغلبها… لم يرى هذه البدائل أصلًا.
فى عالمنا المعاصر، لم تعد الأفكار تنتشر فقط بقوة الحجة، بل أيضًا بقوة التمويل.
وحين يمتلك خطاب دينى واحد القدرة على إنشاء المؤسسات، بناء المدارس، إنتاج المواد التعليمية،
تمويل المنابر، ودعم الحضور الإعلامى، فإنه لا ينتشر فقط…
بل يعيد تعريف ما يعتبره الناس “الأصل”.
ومع الزمن، لا يعود الناس يفرقون بين ما هو تاريخى
وما هو مقدس، بين ما هو تفسير وما هو الدين ذاته.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأى منظومة فكرية، هو أن تتحول من مجال للأسئلة إلى مجال للإجابات النموذجية.
وحين يتعلم الطالب أن الدين هو عبارة عن إجابات جاهزة، وصيغ محفوظة، وحدود واضحة لا يجوز الاقتراب منها، فإنه لا يتعلم كيف يفكر داخل الدين…
بل كيف يتجنب التفكير أصلًا.
ومع الوقت، يتحول السؤال نفسه إلى مصدر قلق،
بل أحيانًا… إلى شعور بالذنب.
وحين يبنى الوعى الدينى أساسًا على الخوف، يتغير معنى التدين نفسه.
لا يعود الدين بحثًا عن الخير، ولا رحلة نحو معنى الحق والعدل، ولا محاولة لفهم الحكمة الإلهية فى الوجود.
بل يتحول إلى محاولة دائمة لتجنب الخطأ، وتجنب العقاب، وتجنب الخروج عن النموذج المقبول اجتماعيًا.
وعند هذه النقطة،
لا يصبح السؤال:
“ما الأقرب إلى روح الدين؟”
بل يصبح:
“ما الأكثر أمانًا؟”
وهكذا، يتشكل جيل كامل لا يعرف أن الدين كان يومًا مساحة واسعة من الجدل والاجتهاد.
جيل لا يعرف أن كبار علماء المسلمين اختلفوا فى قضايا جوهرية، ولا أن الفقه كان تاريخيًا ساحة نقاش لا ساحة إجماع مطلق.
وحين يختفى هذا التاريخ من الوعى الجمعى، يصبح من السهل جدًا أن يعتقد الناس أن ما يعيشونه اليوم، هو الصورة الوحيدة التى عرفها الإسلام دائمًا.
وهنا يتحقق الاختزال الكامل.
لكن هذا التحول لا يتوقف عند حدود الفكر الدينى، بل يمتد تدريجيًا إلى شكل التدين نفسه.
فعندما يختزل الدين فى تفسير واحد، يبدأ بهدوء فى الانزلاق من عالم القيم… إلى عالم العلامات الظاهرية.
من الأخلاق… إلى المظهر.
من الضمير… إلى الشكل.
من الجوهر… إلى القشرة.
ربما لا يكون أخطر ما فى اختزال الدين هو فرض تفسير واحد له.
بل أخطر ما فيه، أنه يغير معنى التدين نفسه داخل وعى الناس.
فحين يضعف حضور القيم الكبرى، العدل، الرحمة،
الحرية، الكرامة الإنسانية، يبدأ العقل الجمعى فى البحث عن بدائل أسهل للقياس، وأسرع للحكم على الآخرين.
وهنا، يبدأ الدين، داخل وعى الناس، فى التحول تدريجيًا من كونه منظومة أخلاقية عميقة، إلى منظومة علامات خارجية.
علامات يمكن رؤيتها بسهولة.
ويمكن الحكم على الناس من خلالها بسرعة.
ويمكن اختزال التدين كله فيها.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال الأخطر ليس كيف تم فهم الدين؟
بل كيف انتقل الدين فى وعينا، من القيم إلى الشكليات؟
وهذا…
هو السؤال الذى علينا أن نواجهه مباشرة.
تعليقات