"الأقرب إلى الحقيقة"، معضلة العقل البشرى التى "فاجأت داروين"


هل تنفى نظرية التطور بالفعل وجود الخالق؟

ترسخت فى العقود الأخيرة، أسطورة فكرية بأن نظرية النشوء والارتقاء قد أنهت سؤال وجود الإله، وأغلقت الباب أمام أى تصور غيبى للوجود، وأن العلم قد حل نهائيا محل الأفكار الدينية.

علينا أولا الاعتراف بأن ما ساهم فى انتشار مثل هذا التصور، هو الكثير من التناقضات سواء الحقيقية أو المتصورة بين العلم الحديث وبعض النصوص الدينية، فتم تعميم الحكم على الأديان كلها، بوصفها كيانًا واحدًا متجانسًا.

غير أن هذا المسار فى الواقع، قد تشكل فى الكثير من الأحيان، اعتمادًا على معرفة جزئية أو غير مباشرة بالنصوص.

ويكاد فى كل الأحوال يغيب عنه الاطلاع الجاد على التصور القرآنى، والذى يختلف فى بنيته ولغته ومقاصده عن كثير من المدونات الدينية الأخرى.


لقد جرى تقديم نظرية النشوء والارتقاء لا بمجرد وصفها باعتبارها إطارًا علميًا يفسر آليات التغير الحيوى فحسب، وانما كبديل فلسفى يجيب عن سؤال الوجود ذاته.

على أن هذا التصور الشائع لن يصمد طويلًا أمام قراءة أكثر هدوءًا لتاريخ النظرية نفسها.

فنظرية النشوء والارتقاء، فى جوهرها، تشرح كيف تتغير وتتطور الكائنات، لا لماذا وجدت، ولا تشرح الكيفية التى انبثق بها الوعى والفكر من مجرد مادة صماء.

وما يزعزع بالفعل أسطورة الاكتمال هذه، هو أن أحد أعقد الأسئلة التى واجهت النظرية لم تأتى من خارجها، بل من داخلها،

"معضلة العقل البشرى".

وهى المعضلة التى لا يعرف كثيرون بوجودها أساساً.


فى المراسلات ما بين "تشارلز داروين" و"ألفريد راسل والاس"، عام 1857، وصف "داروين" مستوى الذكاء البشرى بأنه “المشكلة الكبرى والأكثر إثارة للتساؤل” أمام علماء الطبيعة.

وقد وافقه "والاس"، معتبرًا أن مستوى تطور العقل الإنسانى يمثل نقطة شاذه وغير منطقية داخل النظرية.

إنها ببساطة شئ لا يفترض حدوثه،

فوفقاً لمنطق نظرية الانتخاب الطبيعى، يجب ألا يبلغ الذكاء البشرى هذا القدر من الاتساع والتعقيد.

فالانتخاب الطبيعى، بطبيعته، لا يقوم بانتاج أو تطوير، إلا ما يخدم البقاء والتكاثر، فى حين يبدو تطور العقل البشرى أكبر من حاجته الحيوية، وأوسع من وظيفته المتمثلة فى البقاء.

ولم يكن هذا التناقض الصارخ مجرد تناقضا هامشيًا أو عابرًا، وهو الأمر الذى جعل "توماس هكسلى"، أحد أبرز المدافعين عن "داروين" ورئيس الجمعية الملكية البريطانية يتحدث كثيراً فى أواخر القرن التاسع عشر، عن “مفارقة الذكاء البشرى”.

بل اضطره ذلك إلى ترك علم الأحياء مؤقتاً، واللجوء إلى الفلسفة، والاستعانة بأفكار بعض الفلاسفة ، فى محاولة لفهم هذا القدر الهائل من التطور العقلى والأخلاقى، والفكرى لدى الإنسان.


وفى القرن العشرين، أعاد باحثون مثل "ماينارد سميث" و"جورج ويليامز" فتح الابواب أمام هذا التساؤل المحير، من داخل علم البيولوجيا التطورية نفسها، معترفين بأن العقل البشرى يبدو، من حيث الحجم والقدرة، أكبر مما تتطلبه شروط البقاء.

فالإنسان لا يمتلك مجرد ذكاء وظيفى افضل من المخلوقات السابقة، بل يمتلك عقلًا قادر على التجريد الرياضى، والتأمل الفلسفى، وإنتاج الفنون، وبناء منظومات أخلاقية تتجاوز المنفعة المباشرة، وتتضمن فكرة التعاطف مع الغرباء، بل والاستعداد للتضحية من أجلهم.

مثل هذه القفزة العقلية والأخلاقية لا يمكن تفسيرها بسهولة بوصفها طفرة مفهومة أو تحسينًا تدريجيًا مبررًا تطوريًا، بل تبدو فى كثير من وجوهها، شرخًا فى تفسير النظرية وليس امتدادًا لها.


وهنا نجد أن هذا الارتباك العلمى، انما يلتقى، وعلى نحو لافت، مع الرؤية القرآنية للإنسان.

فالقرآن لا يناقض فكرة التدرج فى الخلق، بل يصرح بها بوضوح: «ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين»، و«وقد خلقكم أطوارًا».

غير أنه يضع نقطة دلالية فاصلة وحاسمة عند لحظة حدوث التحول النوعى: «ثم أنشأناه خلقًا آخر».

إنها لحظة يجب ألا يتم قراءتها بوصفها إضافة جسدية، وانما انتقالًا من كائن تحكمه الطبيعة وحدها، إلى نفس واعية بالمعنى والمسؤولية. وتأتى “نفخة الروح” هنا تعبيرًا رمزيًا عن هذا التحول، لا نقيضًا للعلم، بل باعتبارها حدًا فلسفيًا لا يستطيع المنهج العلمى تجاوزه.


غير أن معضلة العقل البشرى لا تقف عند حدود علم الأحياء، بل تتسع حين ننظر إلى المشهد الكونى الأوسع. فالعلم الحديث، رغم إنجازاته المذهلة، يعترف صراحة بأن كل ما نعرفه من مادة وطاقة وقوانين لا يتجاوز خمسة فى المئة من محتوى الكون. أما البقية الساحقة — المتمثلة فى المادة المظلمة والطاقة المظلمة — فلا نعرف عنها سوى آثارها، دون أن نفهم ماهيتها أو مصدرها أو طبيعتها النهائية.

نحن نرصد كونًا يتمدد بمعدل متسارع دون أن نعرف السبب الحقيقى لهذا التمدد، ونلاحظ مجرات كان يفترض بها أن تتفكك لولا وجود كتلة غير مرئية تمسكها معًا، ونتعامل مع ثقوب سوداء تنهار عندها قوانين الفيزياء نفسها ويتوقف عندها الزمن.


لا تكمن الإشكالية الأعمق فى مجرد إنكار وجود خالق فى حد ذاتها، بقدر ما تكمن فى درجة اليقين والغرور المصاحبة لهذا الإنكار. فالجزم بعدم وجود معنى متجاوز، اعتمادًا على نقد خرافات وأساطير دينية بعينها، مع تجاهل هذا النقص الهائل فى معرفتنا بالكون وبالعقل وبالقوانين ذاتها، يبدو تعبيرًا عن نوع من الغرور المعرفى لا يقل إشكالية عن اليقين والايمان ببعض الاساطير التى

يرفضها العقل.

فالعلم، فى جوهره، لا يقوم على ادعاء الاكتمال، بل على الاعتراف بما لا نعرف، وعلى توسيع دائرة التساؤلات لا إغلاقها.


فى هذا الإطار، لن تبدو معضلة العقل البشرى والذكاء الانسانى الاستثنائى، الذى تعادل طفرة حوالى الواحد فى المليار، خطأً تطوريًا ولا لغزًا عابرًا، بل علامة على أن الإنسان لم يتم اختزله ابدا فى منطق البقاء وحده.

إنه كائن يحمل فائضًا على حاجته، وسؤالًا أكبر من جسده، ووعيًا لا تفسره الضرورة وحدها.

ولعل هذا هو ما عبر عنه النص القرآنى، حين قال: «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها… وحملها الإنسان».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!