"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتكلم النص على نفسه. قراءة فى لغة الحديث ومضمونه


إذا كانت عملية التفريق بين السنة والأحاديث تحرر هذا المفهوم وتعيده إلى إطاره السليم، وإذا كان فهم كيفية نشأة الحديث يضعه فى سياقه التاريخى، فإن خطوتنا التالية لا تقل أهمية.

أن نقترب من النص نفسه، لا بوصفه مقدسًا مسبقًا، ولا بوصفه موضع شك مسبقًا، بل بوصفه خطابًا يقرأ، ويفهم، ويتم القياس عليه.

هنا لن نحتاج إلى افتراضات كبرى، ولا إلى نوايا خفية، ولا إلى إسقاطات أيديولوجية. كل ما نحتاجه هو أن ننصت بحرص إلى النص حين يتكلم، وأن نتساءل بهدوء:

هل يشبه هذا الصوت صوت القرآن؟

هل ينسجم هذا المعنى مع الصورة الأخلاقية التى رسمها الوحى للنبى؟

هل هذه اللغة نبوية أم بشرية؟

رحيمة أم سلطوية؟

منفتحة على الإنسان أم محاصِرة له؟

فالقرآن، حين يتحدث عن النبى، يقدمه لنا إنسانًا متواضعًا، قريبًا، رحيمًا، لا يعلو على الناس إلا بالخلق:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾

هذه ليست أوصافًا عرضية أو تقليدية، بل ملامح أساسية للشخصية النبوية كما يقدمها لنا القرآن. 

لذلك، حين نضع هذه الصورة أمام بعض الأحاديث المتداولة، لا نحتاج إلى كثير من الجهد كى نشعر بالفارق، وأحيانًا بالصدمة.

نجد، مثلًا، روايات تصور النبى فى مقام الآمر المتعالى، الذى يفرض الطاعة الصامتة دون مساحة للسؤال أو الفهم، أو تنزل عقوبات قاسية بصيغة مجردة، منفصلة عن سياقها التاريخى والاجتماعى، أو تتحدث بلغة تهديدية أقرب إلى منطق الردع السلطوى منها إلى النفس القرآنى الأخلاقى. 

ونجد روايات أخرى تنسب إليه، تغذى التمييز بين البشر، أو ترسخ دونية المرأة، أو تزرع الشك المسبق فى نوايا الناس، فى حين أن الخطاب القرآنى قائم، من أساسه، على الكرامة الإنسانية العامة.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ﴾

ولنأخذ مثال التواضع النبوى، وهو أمر ثابت قرآنيًا وسيريًا. النبى الذى كان يجلس حيث ينتهى به المجلس، ويخدم نفسه، ويكره المبالغة فى تعظيمه، ويغضب حين يرفع فوق مقامه الإنسانى. ومع ذلك، نصطدم بروايات تجعل من شخصه محورًا لطقوس تقديسية، أو تضفى على أقواله اليومية سلطة مطلقة تتجاوز حتى مقاصد القرآن نفسه، وكأن كل لفظ ينسب إليه يتحول تلقائيًا إلى تشريع أبدى. 

هنا لا يكون الإشكال فى المحبة، بل فى الخلط الدقيق والخطر بين المحبة والتأليه غير المعلن.

وينسحب الأمر نفسه على بعض الأحاديث المتعلقة بالقتال والعنف، حيث تقدم القوة بوصفها الأصل لا الاستثناء، وتفصل عن سياق الدفاع أو الضرورة، فى مقابل قرآن واضح فى ضبطه الأخلاقى للعنف، وحصره، وتقنينه:

﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

﴿ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾

حين يتحول النبى، فى بعض الروايات، إلى رمز دائم للصدام، فإن السؤال لا يكون، لماذا يعترض العقل على بعض الأحاديث؟

بل لماذا يبتعد هذا التصوير عن روح القرآن؟

ولا يقتصر الأمر على المضمون وحده، بل يمتد إلى اللغة نفسها. فثمة أحاديث تحمل مفردات بشرية متأخرة، أو تراكيب لغوية لا تشبه البيان القرآنى ولا البلاغة النبوية المعروفة، وكأن النص يشهد، من حيث لا يدرى، بعدم صدوره عن زمن النبوة. 

تتبنى بعض تلك الأحاديث لغة تقنن أكثر مما تلهم، وتقيد أكثر مما تحرر، وتشبه فى نهجها الكتب الجدلية أكثر مما تشبه خطاب النبوة.

نحن هنا لا نتهم أحدًا بالكذب، ولا نزعم امتلاك معيار العصمة، لكننا نمارس حقًا مشروعًا. حق القياس على القرآن والسيرة. فالقرآن لم ينزل ليعطل العقل، بل ليوقظه، ولم يطلب منا تعليق ضمائرنا عند أول رواية منسوبة، بل دعانا إلى التفكر، والتدبر، وإعمال الميزان الأخلاقى.

السؤال الجوهرى إذن ليس، هل هذا الحديث بالفعل صحيح؟

بل: هل هذا المعنى يضيف إلى الرسالة أم يشوهها؟

هل يقرب الإنسان من الله أم يخيفه منه؟

هل يعكس روح النبى أم يحمل بصمة عصور لاحقة؟

وحين نطرح هذه الأسئلة، لا نكون قد خرجنا عن الدين، بل عدنا إلى جوهره. ولا نكون قد أسأنا إلى النبى، بل دافعنا عنه من أن يختزل فى نصوص لا تشبهه، ولا تشبه الرسالة التى حملها.

وحين يتكلم النص على نفسه، دون صراخ ولا وصاية، نكتشف أن بعض الأحاديث لا تحتاج إلى من يرفضها، لأنها ببساطة لا تستطيع أن تصمد طويلًا أمام القرآن، ولا أمام الضمير الإنسانى السليم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!