"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتكلم الكون لغة العقل
قابلية الكون للتفسير الرياضى هى واحدة من أكثر الظواهر إرباكًا للفلاسفة والعلماء على حد سواء.
لم يكن التساؤل المطروح دائمًا هو كيف يعمل الكون؟
بل كان السؤال الأعمق هو، لماذا يعمل الكون وفق قوانين يمكن للعقل فهمها أصلًا؟
فالرياضيات فى النهاية ليست مادة فيزيائية، ولا هى طاقة، ولا جسيمًا يمكن رصده أو قياسه.
ومع ذلك، تستطيع الرياضيات أن تصف بدقة حركة المجرات فى أطراف الكون، وأن تفسر سلوك الجسيمات دون الذرية، بل وتتنبأ بظواهر لم ترى بعد…
فهل اخترع الإنسان هذه القوانين، أم أنه فقط اكتشف لغة كانت مكتوبة قبل أن يوجد؟
وهل قام العقل بترتيب النظام الكونى، أم أنه لم يفعل أكثر من استخدام مفتاح صغير لباب كان موجودًا من قبل؟
من هنا، دعونا نبدأ رحلة بسيطة، لا من أجل إثبات الإيمان بوجود الخالق، بل لفهم فى كيف يتصرف العقل حين يواجه نظامًا يبدو أكبر من مجرد المصادفة.
نحن — فيما يبدو — نعيش فى كون شديد الانضباط.
كون لا يغير قوانينه كل صباح، ولا يخدع العلماء والباحثين.
لأنه ببساطة لو لم يكن هذا النظام موجودًا، لما كان من الممكن أن يظهر العلم، ولا التنبؤ، ولا حتى المسؤولية الأخلاقية.
فى لحظة مبكرة من التاريخ الإسلامي، قال تيار فكرى ما يزال صداه يتردد حتى الآن، أن العقل ليس خصمًا للوحى، بل شرط فهمه.
لم يرى المعتزلة فى العقل أداة ثانوية، ولا خطرًا يجب تقييده، بل رأوه الميزان الذى لا يصح أى تكليف بدونه.
فالله — إن كان عادلًا —لا يكلف بما يتناقض مع بداهة العقل، ولا يحاسب الناس فى عالم عبثى، ولا يخلق كونًا غير قابل للفهم ثم يطلب من الإنسان أن يكون مسؤولًا.
هنا نتأكد من أن النظام الكونة ليس مجرد مسألة فيزيائية فحسب، بل قضية عدل.
فالعدل لا يعيش مع الفوضى، ولا يمكن أن يقوم على أساس عالم متقلب، ولا على سببية وهمية.
لكى يكون الإنسان مسؤولًا، يجب عليه أولًا أن يفهم،
ولكى يفهم يجب أن يثق، ولكى يثق يجب أن تكون القوانين ثابتة.
لهذا، لم يكن قول المعتزلة بالعدل هو مجرد قول أخلاقى مجرد، بل موقفًا كونيًا أعمق مما نعتقد.
فالعالم المنتظم هو وحده العالم القابل للمساءلة.
فالإله حين يخلق عالمًا بلا نظام، ثم يحاسب الناس فيه،
لن يكون إله عدل.
ونتيجة لذلك كله، لم يكن من الغريب أن يتمكن عقل بشرى نشأ داخل الكون من فهم قوانينه بهذه الدقة.
لم يمتلك المعتزلة معادلات نيوتن، ولا هندسة الزمكان، أو قوانين ميكانيكا الكم، لكنهم امتلكوا حدسًا فلسفيًا بالغ العمق مفاده أن لو لم تكن بنية الكون مؤسسة على العقل، لما كان العقل ممكنًا فيه أصلًا.
اليوم، تقول لنا الرياضيات الشىء نفسه، لكن بلغة أكثر صمتًا، وأقل خطابة.
نحن لا نقدم هنا معادلة لإثبات وجود الله،
ولا نحاول تحويل الفيزياء إلى كتاب دين أو فقه.
لكننا، فى الوقت نفسه، نرفض التبسيط الفج والمخل
الذى يدعى أن كل هذا النظام، وهذا التوافق بين العقل والكون، ليس سوى مصادفة عمياء.
فالإيمان هنا يصبح إيمان عقلانى، وانحياز متواضع لفكرة أن العقل لم يكن مصادفة، وأن النظام ليس خدعة، وأن العدل ليس وهمًا تطوريًا.
تعليقات