"الأقرب إلى الحقيقة"، من بدل دينه . .


«من بدل دينه فاقتلوه»

عبارة تحمل فى طياتها إشكالية عميقة، ليس فى الدين ذاته، وإنما فى طريقة فهم البعض للدين.

فالقرآن، وهو النص الوحيد الذى وصلنا بالتواتر القطعى، لا يترك مجالًا للشك فى أن الإيمان هو فعل حر، لا يمكن أن ينتج عن إكراه.

"لا إكراه فى الدين" ليست آية ظرفية، بل هى مبدأ تأسيسى.

وحين يقول: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، فإنه لا يمنح الإنسان خيارًا شكليًا، بل يعترف له بأهلية الاختيار بوصفها شرط التكليف ذاته.

أما السؤال القرآنى: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، فيفكك من الأساس فكرة الوصاية على دواخل الإنسان، ويعيد الدين إلى دوره الطبيعى، الإقناع لا الإخضاع.

بل إن القرآن يذكر الانتقال المتكرر بين الإيمان والكفر دون أى عقوبة دنيوية، مما يؤكد أن الحساب هنا مؤجل ويعود مرجعه إلى الله.

"إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا". 

هذه الآية بالذات تقطع بأن تغيير الاعتقاد، ولو تكرر، لم يقترن بأى عقوبة دنيوية.

ومن الزاوية العقلانية، لا يستقيم أن يتم معاقبة الإنسان على أى قناعة داخلية، فالقناعة لا تنتج بالإكراه، ولا تتغير بالتهديد. 

القتل قد يفرض صمتا، لكنه لا يخلق إيمانًا.


الأحاديث بشكل عام، مهما تم تقديسها، تظل نصوص نقلت شفهيا، ثم دونت بعد أجيال، فى سياقات سياسية واجتماعية مختلفة. لذلك فالاعتماد عليها لإصدار أحكام نهائية، وخاصة فى مسائل تمس الحياة، إنما هو خلط ما بين الوحى والتاريخ، وما بين المقدس والاجتهاد البشرى. 

لذلك فإن العقل السليم يرفض تحويلها إلى سلطة تعلو على القرآن أو تناقضه.


الدين، أى دين، لا يحتاج إلى العنف ليبرر نفسه، ولا إلى القتل ليضمن استمراره.

والله فى التصور القرآنى، لم يكلف البشر مهمة حراسة المعتقدات، بل كلفهم برفض الظلم، وإقامة العدل، واحترام حرية الضمير.


الإيمان بلا حرية يفقده معناه، والدين الذى يعادى العقل… يناقض نظامه الأخلاقى من الداخل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!