"الأقرب إلى الحقيقة"، الفرعون، الملك الإله، معرفة لم تكن متاحه

 الفرعون، الملك الإله، تلك معرفة لم تكن متاحة… وحقيقة قالها القرآن.

فى إطار تفكيك الخلط الشائع بين السنة بوصفها منهجًا نبويًا، والأحاديث بوصفها تدوينًا بشريًا متأخرًا، يبرز سؤال أعمق:

هل كان القرآن يعتمد على معارف عصره؟

أم أنه قدم توصيفات تاريخية لم تكن متاحة أصلًا؟

من أكثر الأمثلة دلالة على هذا السؤال، تصوير القرآن لشخصية فرعون.

فالقرآن لا يكتفى بتصوير فرعون كحاكم مستبد، بل ينسب إليه ادعاءً لاهوتيًا صريحًا:

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى﴾

هذه ليست لغة سياسية، ولا تعبيرًا بلاغيًا عن الاستبداد،

بل ادعاء كامل بالألوهية.

إله أعلى، وإله وحيد، لا مرجعية فوقه.

وهنا يبرز سؤال لم يطرح جديًا إلا نادرًا،

هل كان هذا معروفًا زمن النبى محمد؟

الجواب ببساطة: لا.

فى القرن السابع الميلادى، لم تكن الهيروغليفية مقروءة،

ولم يكن معروفًا أن الفرعون كان يعتبر إلهًا حيًا.

لم تكن عقيدة “ابن رع”، ولا فكرة “حورس المتجسد”،

مفهومة أو متداولة أو معروفة بأى شكل من الأشكال.

لم يفهم العالم كله، بما فيه أوروبا، طبيعة الديانة المصرية القديمة إلا بعد فك رموز حجر رشيد فى القرن التاسع عشر.

قبل ذلك، كانت مصر القديمة لغزًا،

وتاريخها مزيجًا من الأساطير والتخمين.

إذا ما عدنا إلى ما تقوله التوراة،

سنجد أنها لا تنكر طغيان فرعون، لكنها لا تشرح عقيدته،

ولا تصفه بوضوح كإله،

ولا تتعرض للاهوت السياسى المصرى.

نجد عبارات مثل:

“من هو الرب حتى أسمع لقوله؟”

وهو تحد لإله موسى، لا إعلانًا نظاميًا للألوهية الذاتية.

أما الأناجيل،

فلا تتناول قصة موسى،

ولا تتحدث عن فرعون،

ولا تهتم بالتاريخ المصرى القديم.

وحين نعود إلى ما كشفه العلم الحديث بعد فك رموز الكتابة الهيروغليفية،

يتبيّن لنا بوضوح أن الفرعون كان يعد إلهًا حيًا على الأرض،

تجسيدًا لحورس فى حياته،

وابنًا لرع،

وكلامه ليس قانونًا سياسيًا فقط،

بل نظامًا كونيًا يحفظ التوازن (ماعت).

أى أن الفرعون لم يكن “حاكمًا يبالغ فى سلطته”،

بل إلهًا بالمعنى الدينى الحرفى داخل منظومة الاعتقاد المصرية.

المفارقة الهادئة أن القرآن وصف الفرعون بدقة لاهوتية،

فى زمن لم يكن أحد يعرف فيه بهذه العقيدة.

كهذا دون شرح أو استعراض، ودون استعارة من أى كتب سابقة، ودون الحاجة إلى خطاب إعجازى صاخب،

يبرز سؤال بسيط،

كيف يقوم نص ظهر فى القرن السابع بتوصيف عقيدة لم تفهم علميًا إلا بعد أكثر من ألف عام؟

هذا المثال لا يثبت الإيمان لمن لا يريد الإيمان،

ولا يلزم العقل بالقفز إلى المجهول  

لكنه يكسر فرضية أن القرآن مجرد انعكاس لثقافة عصره.

وفى سياق هذه السلسلة،

يذكرنا بأن الوحى ليس تجميعًا بشريًا،

ولا إعادة تدوير لأساطير سابقة،

بل نص أحيانًا ما يتجاوز بهدوء زمنه…

لا ليصدم العقل، بل ليوقظه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!