"الأقرب إلى الحقيقة"، المعجزة الديناميكية…

بعد تفكيك الخلط بين السنة والأحاديث، وبعد التمييز بين الملك والإله، ثم بين الكتاب والحكمة،

نصل إلى السؤال الأعمق، والأكثر حساسية.

ما طبيعة القرآن ذاته؟

هل هو نص مغلق، أم خطاب مفتوح؟

النص، فى معناه الفلسفى، كيان مغلق، ثابت الدلالة، مكتفى بذاته، يطالب القارئ بالانصياع له.

أما الخطاب، فهو علاقة حية، بين متكلم ومخاطب،

بين رسالة وسياق، بين معنى وزمن.

والقرآن — كما أفهمه — ليس مجرد نص، بل خطاب مستمر.

خطاب لا يلقى مرة واحدة ثم يغلق، بل يعاد تلقيه، ويعاد فهمه، ويعاد تأويله كلما تغير الإنسان.

دعونا نعود إلى العصر الإسلامى فى ذروة مجده الفكرى والعلمى.

حين تقدم العقل خطوة إلى الأمام مع فكر المعتزلة.

لم يكن المعتزلة تيارًا متمردًا، بل كانوا أوفياء لفكرة جوهرية.

أن الله خاطب الإنسان بما يعقل، لا بما يعطل عقله.

لذلك قالوا:

• العقل سابق على النقل فى الفهم

• والعدل الإلهى يستحيل مع الجبر

• والمعنى لا يفرض، بل يفهم

من هذا المنظور،

لا يكون القرآن مجموعة أوامر جامدة،

بل حوارًا مفتوحًا مع العقل الإنسانى.

فى رأيى أن معجزة القرآن الحقيقية هى الديناميكية.

ليست معجزة القرآن فى البلاغة وحدها، ولا فى الإخبار وحده، بل فى قدرة القرآن على إنتاج معنى جديد فى كل زمان ومكان.

نص واحد، لكن قراءته فى مكة ليست كقراءته فى بغداد، ولا فى القاهرة، ولا فى الأندلس، ولا فى عالمنا المعاصر.

الأحكام تتغير، لا لأن النص تبدل، بل لأن الخطاب تحرك مع الواقع.

وهو ما لا يعنى العبثية، أو الفوضوية، بل يعنى الوفاء لروح المقاصد،

وليس لحرفية الجمود.

القرآن ليس قانونًا… بل أفقًا

القانون يطلب الطاعة.

الخطاب يطلب الفهم.

القانون يغلق الأسئلة.

أما الخطاب فيفتحها.

ولهذا كان القرآن مليئًا بالأسئلة، بالحجج، بالجدل، بالمخاطبة العقلية.

لا بالأوامر الصماء فقط.

ولو كان القرآن فقط نصًا قانونيًا مغلقًا، لما احتاج إلى هذا القدر من الحوار.

حين قال البعض بأن القرآن خطاب لا نص،

لم يكن ذلك نفيا لقدسيته.

فالقداسة لا تعنى الجمود، بل تعنى الحيوية.

وحين يتحول الخطاب إلى نص مغلق،

يتحول الدين من رسالة إلى سلطة.

لقد أشار "ابن عربى"، بلغة صوفية عميقة، إلى أن الآية الواحدة لا تعطى معناها الكامل إلا لمن تغير داخليًا.

ليس لأن النص تغير، بل لأن القارئ تغير.

فمن ثبت عند معنى واحد، توقف عند حد ذاته،

لا عند حد النص.

أخطر ما حدث فى تاريخ الفكر الدينى، ليس الاختلاف،

بل ادعاء امتلاك المعنى النهائى.

حينها يغلق الاجتهاد، يلغى العقل.

يتحول الحديث إلى وحى، وتتحول السنة إلى نص موازى.

ويختزل الخطاب فى أوامر.

وهنا، لا يساء إلى الإنسان فقط،

بل إلى الوحى نفسه.

فى النهاية لماذا بدأت هذه السلسلة عن السنة والأحاديث…

ولماذا تنتهى هنا؟

بدأت هذه السلسلة لتفكيك الخلط،

لا لهدم الإيمان.

وانتهت هنا،

لأن جوهر المشكلة

ليس فى حديث، ولا فى فقه، ولا فى تراث،

بل فى كيف نقرأ.

فالقرآن لا يطلب منك أن تلغى عقلك، ولا أن تكرر فهم غيرك.

بل أن تدخل إلى الخطاب

وأنت إنسان عصرك.

معجزة القرآن ليست أنه قال كل شىء،

بل أنه ترك لك مساحة لتفهمه دائمًا من جديد.

الأقرب إلى الحقيقة، أن الوحى لم يغلق باب العقل،

لكن الخوف من العقل فعل ذلك. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!