"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتحول الخطاب إلى نص جامد

لم يكن القرآن فى لحظة نزوله الأولى، ، كتابًا بالشكل والمعنى الذى نعرفه اليوم.

لم ينزل دفعة واحدة، ولم يقدم لنا كنص مكتمل مغلق المعنى، بل كخطاب حى، يتفاعل مع الأسئلة، والوقائع، والبشر داخل زمنه.

الخطاب بطبيعته هو عبارة عن حوار، يسأل، ويجيب، ويعيد طرح الأسئلة بصورة أعمق.

ولهذا لم يقم القرآن بمخاطبة المتلقى بوصفه تابعًا بل بوصفه شريكًا فى الفهم.

فكان يقوم بعملية استدعاء عقلية قبل أن يطالب الناس بطاعته:

﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾،

﴿أفلا يعقلون﴾،

﴿لعلهم يتفكرون﴾.

أما النص، حين يتم فصله عن سياقه وقراءته باسلوب منغلق، فإنه يتحول حينها إلى كيان ثابت، مكتفى بذاته، لا يحتمل إلا قراءة واحدة وتفسير وحيد.

وهنا تبدأ الإشكالية.

لم يقم القرآن أبدا بمخاطبة إنسان مسلوب الإرادة، ولا عقلًا معطلا عن الفهم، بل إنسانًا مسئولًا عن اختياره وفهمه:

﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾.

الهداية هنا ليست قسرًا أو إملاء، بل دعوة للفهم.

لكن وفى لحظة تاريخية معينة تغير شيئًا ما.

لم يكن هناك قرار معلن بإلغاء العقل، بل كان القرار الأخطر هو تحييد العقل باسم القداسة.

لم يعد السؤال وسيلة للفهم، بل تحول إلى شبهة.

ولم يعد الاختلاف تنوعًا مشروعًا، بل تهديدًا للوحدة.

مع أن القرآن نفسه أقر بالاختلاف بوصفه جزءًا من طبيعة البشر:

﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾.

هكذا، شيئًا فشيئًا، تحول الخطاب إلى نص، والنص إلى سلطة، والسلطة إلى أداة ضبط وإقصاء.

لم يحدث ذلك فجأة، ولم يكن مؤامرة مدبرة، بل مسارًا تراكميًا.

لعله بدأ كخوف من الفتنة، ورغبة فى الاستقرار،

والاحتياج إلى يقين جاهز، فتم تفضيل الثابت على المتغير، والماضى على الحاضر، والنقل على الفهم.

فتحققت هنا المفارقة التى حذرنا منها القرآن مبكرًا، حين يتحول التقليد إلى بديل عن التفكير:

﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾.

مع الوقت، صار الزمن عدوًا للنص، فلم نعد نسأل ماذا يريد الخطاب منا اليوم؟

بل كيف نعيد إنتاج ما فهم بالأمس؟

وحين يغلق باب السؤال، لا يتم تقييد العقل وحده،

بل يقيد الوحى نفسه.

فالخطاب الإلهى، إذا تم فصله عن العقل، يتحول من رسالة هداية إلى أداة ضبط، ومن نور يفتح الآفاق، إلى جدار يمنع الرؤية.

لا لأن النص فقد قداسته، بل لأننا حولنا القداسة إلى ذريعة لإغلاق فهم المعنى.

والمفارقة هنا، أن هذا التجميد لم يحمى الدين، بل أضعفه.

فالدين الذى لا يحتمل السؤال، لا يستطيع مواجهة الواقع.

والإيمان الذى يخاف مسايرة العقل، يصبح هشا أمام أول اختبار حقيقى.

المشكلة إذن ليست فى النص، ولا فى قدسيته، بل فى تحويل القداسة إلى حصانة ضد الفهم.

ربما لهذا لم يكن الصراع القديم حول “خلق القرآن” جدلًا لغويًا أو فقهيًا عابرًا، بل لعله بالأحرى كان صراعًا عميقًا حول طبيعة العلاقة بين الوحى والعقل.

هل الخطاب الإلهى حى، يتفاعل مع الزمن ويتجدد فهمه؟ أم كيان أزلى جامد، خارج التاريخ، لا يسأل ولا يناقش.

لم يحسم هذا السؤال معرفيًا، بل حسم سياسيًا ثم أُغلق.

وإغلاق الأسئلة لا يلغيها، وإنما يؤجل انفجارها.

ما نعيشه اليوم من توتر بين الدين والواقع، بين النص والحياة، بين الإيمان والعقل، ليس إلا نتيجة طبيعية لهذا التجميد الطويل.

نحن لسنا فى حاجة إلى دين جديد، ولا إلى هدم الموروث، بل فقط إلى شجاعة إعادة فتح الملف.

فالقرآن لم يطلب منا أن نعطل عقولنا، بل أن نحملها المسئولية، وأن نكون كما وصفنا ﴿أمة وسطًا﴾.

وسطية الفهم، لا وسطية الشعارات.

ومن هنا… لا تبدأ إعادة القراءة،

بل تبدأ المساءلة.

فالوحى لا يخاف السؤال… الذى يخاف السؤال هو من صادر الوحى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!