"الأقرب إلى الحقيقة"، السنة بين الوحى والتاريخ. قراءة عقلانية

مقدمة ضرورية:

هذه السلسلة ضمن مشروع《الأقرب إلى الحقيقة》 ليست دعوة لهدم الدين، ولا محاولة للتشكيك، بل هى محاولة متواضعه لإزالة الخلط، والتمييز بين ما هو وحى قطعى، وما هو اجتهاد بشرى ارتبط بزمانه وسياقه التاريخى.

يأتى هذا من منطلق الإيمان بالعقل لا الخوف منه،

ومن الاحترام التام للسيرة النبوية، ومن القناعة بأن الحقيقة لا تهاب التساؤلات، وأن الدين الذى يخشى المراجعة يتحول، مع الزمن، إلى روايات بشرية هشة، لا إلى وحى إلهى حى.


سلسلة «الأقرب إلى الحقيقة» لا تدعى امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنها ترفض الاكتفاء بالمسلمات الموروثة، خاصة حين تتصادم مع النص القطعى، أو مع البداهة العقلانية، أو مع القيم الأخلاقية الكبرى التى جاء بها القرآن.

المقال الأول

"السنة ليست الأحاديث"

تفكيك تأسيسى للخلط المنهجى


من أكثر المسلمات شيوعًا فى الخطاب الدينى المعاصر، القول بأن «السنة» هى نفسها «الأحاديث»، وأن من شكك فى الأحاديث فقد شكك فى الدين ذاته.

غير أن هذه المسلمة، على الرغم من انها قد تبدو بسيطة، تخفى خللًا منهجيا عميقًا، لا فى فهم النصوص فحسب، بل فى تصور طبيعة الوحى نفسه.

فالقرآن، وهو النص الوحيد الذى وصلنا بالتواتر القطعى، لا يقدم «الأحاديث» بوصفها مصدرًا تشريعيا مستقلًا، ولا يربط الإيمان بالله بتصديق روايات تم تدوينها بعد وفاة النبى بعقود طويلة.

بل على العكس، يتحدث القرآن عن «السنة» بمعناها الكونى والأخلاقى، لا بصفتها نصوصًا مروية.

حين يستخدم القرآن لفظ «السنة»، فإنه يشير إلى سنن الله فى الكون والتاريخ، وإلى القوانين الحاكمة لحركة المجتمعات، وأنماط الفعل والنتائج:

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾

ولا نجد فى القرآن أى إشارة إلى وجوب جمع أقوال النبى، أو تدوينها، أو اعتبارها وحيًا لفظيًا موازيا للقرآن.

وهذا الصمت القرآنى ليس نقصًا، بل اختيار واعى.

يبقى السؤال: متى تحولت السنة إلى روايات؟

بعد وفاة النبى محمد، واجه المجتمع الإسلامى توسعًا جغرافيا وصراعات سياسية معقدة، نتج عنها ظهور أسئلة فقهية لم يعرفها الجيل الأول.

فكان الحل الأسهل هو نسبة بعض الأقوال إلى النبى، لإضفاء شرعية فورية على أفعال أو أحكام لاحقة.

ومن هنا بدأت عملية تضخيم الروايات، مع اختلاف الصيغ، مصحوبة بتقديس النص المنسوب لا المضمون.

وعلينا الانتباه إلى أن الأحاديث، وعمليات جمعها، تبقى فى النهاية عملًا بشريًا صرفًا.

فمهما بلغت دقة علم الإسناد، تبقى الأحاديث نقلًا بشريًا، وانتقاءًا بشريًا، وصياغة بشرية.

بل إن المتأمل فى ألفاظ كثير منها لا يحتاج إلى جهد كبير ليشعر أن لغتها فقهية لا نبوية، وسلطوية لا أخلاقية، بل وأحيانًا فظة على الحس القرآنى السليم.

وكأن النص نفسه يهمس:

"أنا ابن زمن آخر".

إن التفريق بين السنة والأحاديث ليس عداءًا للنبى، بل هى، على العكس تمامًا، تحرير له من أن يتم اختزله فى مقولات بشرية نسبت إليه بعد رحيله.

وقد يحتج أنصار مساواة السنة بالأحاديث بآيات من قبيل:

﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾

و﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾

وكأن القرآن يأمر مسبقًا بتصديق كل ما سينسب إلى النبى بعد وفاته بعقود.

ان مثل هذا الاستدلال يغفل السياق، ويقفز من وجوب الطاعة المباشرة للنبى أثناء حياته، إلى التدوين المتأخر.

فالقرآن خاطب مجتمعًا يرى الرسول ويسمعه، ولم يتحدث أبدا عن روايات تم جمعها لاحقًا وتعامل بوصفها وحيًا موازيًا.

لو كان هذا هو المقصود، لقاله القرآن بوضوح لا لبس فيه، كما قال كل ما أراد أن يجعله أصلًا من أصول الدين.

إن هذا التفريق لا ينفى مكانة السيرة النبوية، ولا يلغى الاقتداء الأخلاقى بها، كما أنه لا يقوم على رفض الأحاديث جملة وتفصيلًا.

فبعضها يحمل جمال العبارة وسمو المعنى، وينسجم مع سيرة النبى وروح الخطاب القرآنى.

غير أننا نذهب، فى هذا المجال، مذهب المدرسة العقلية المبكرة التى رأت — كما رأى المعتزلة — أن مسائل العقيدة وأصول الدين لا تؤسس على الروايات، بل على النص القطعى، والعقل اليقينى.

تنويه مهم قبل القيام بالتعليق:

هذا المقال وتلك السلسلة لا تهاجم الإسلام، ولا تنكر مكانة النبى، ولا تدعو لرفض كل الأحاديث. وإنما تناقش الخلط المنهجى بين "السنة" بوصفها نموذجًا أخلاقيًا وسلوكيًا، وبين "الأحاديث" بوصفها روايات بشرية جمعت لاحقًا.

ولذلك فإن النقاش مرحّب به، وعلى من يرى أن السؤال خطر، أن يتذكر أن القرآن نفسه دعا إلى التفكر، لا إلى التعطيل. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!