الأقرب إلى الحقيقة، أصحاب العقائد


فى بعض الأحيان، ولا سيما أوقات الأعياد الدينية، تثار مسألة مصير أصحاب العقائد المختلفة من خلال أحكام عامة لا تميز بين اختلاف أحوال الناس، فتساوى بين من اعتنق عقيدة ما عن وعى واختيار، وبين من ولد داخل تلك العقيدة وتشربها بوصفها جزءًا من بيئته وثقافته، دون بحث أو قدرة حقيقية على المراجعة.


غير أن النص القرآنى يقدم لنا تصورًا مختلفًا للمسؤولية عن ذلك، تصور يرتكز على العلم والنية والقدرة، وليس على الانتماء الشكلى. 

فالقرآن يفرق بوضوح بين من يجهل بحكم البيئة أو العجز، وبين من يعلم ويصر على موقفه استكبارًا ورفضا للحق. 

إذن فالمسؤولية الأخلاقية فى القرآن تقوم على الوعى والقدرة على الاستيعاب وعلى القصد، وليست على الوراثة.

فلا عذاب قبل البيان، "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا"، ولا تكليف خارج القدرة، "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"، ذلك مع إدانة واضحة للرفض الواعى المتعمد، "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم".


وهكذا يتضح لنا أن الخطأ العقائدى لا يتم قياسه بذاته فقط، بل يقاس بظروف صاحبه، ومدى وعيه، وصدق سعيه.


من هذا المنطلق يمكن فهم الآيات التى تنتقد تصورات عقائدية بعينها على أنها موجهة أساسًا إلى من صاغ هذه التصورات ورسخها عن علم وبصيرة وقصد، رغم يقينه بفسادها، لا إلى كل من ورثها دون قدرة حقيقية على التمييز. فالمحاسبة هنا ليست على الميراث، بل على القصد والمسؤولية.

وعليه، فإن المعيار القرآنى فى الحكم ليس شكل العقيدة، بل مقدار الوعى، وصدق السعى، والقدرة على الاختيار. 

بهذا يتأسس الحكم هنا على العدل لا على التعميم، وبهذا تظل الرحمة جزءًا أصيلًا من الرؤية الأخلاقية للقرآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!