"الأقرب إلى الحقيقة"، من القيم إلى الشكل

"حين يتم اختزال الدين"

(٣)

غالباً ما تبدأ الأزمات الفكرية الكبرى بهدوء.

فالمجتمعات لا تستيقظ فجأة لتقرر أن القيم لم تعد مهمة، أو تجتمع لتعلن أن الشكل أصبح أهم من الجوهر.

بل يحدث مثل هذا التحول بشكل تدريجى، حتى أنه يبدو طبيعيًا تمامًا.

يحدث التحول حين تصبح العلامات والمظاهر الخارجية أسهل للقياس، وأسرع فى الحكم، وأكثر أمانًا اجتماعيًا من القيم الحقيقية.

فالعدل مثلأ قيمة معقدة، والرحمة تحتاج إلى وعى داخلى، والصدق لا يمكننا أن نقوم بقياسه بالنظر.

أما المظاهر الخارجية، فيمكننا رؤيتها فورًا، ويمكن الحكم على الناس من خلالها بسرعة.

وهنا يبدأ التحول الأخطر، حين تتحول القيم إلى رموز، ثم تتحول الرموز إلى بديل عن القيم نفسها.

المجتمعات بشكل طبيعى، لا تحب المناطق الرمادية.

والقيم الأخلاقية تحتاج إلى معرفة حقيقية بالإنسان قبل إصدار الأحكام عليه، بينما الحياة الاجتماعية تبحث عن الاختصارات المرئية. 

لذلك تبدأ المجتمعات، خاصة فى أوقات الضعف أو الاضطراب، فى البحث عن مظاهر أخلاقية مختصرة تجعل الحكم على الناس أسرع، وتجعل التمييز بين ما المفترض أن يكون صحيح أو خطأ أكثر بساطة.

فتظهر تدريجيًا مظاهر خارجية ثقافية واجتماعية. تتحول إلى مؤشرات على “الالتزام”.

ثم تتحول بهدوء إلى تعريف كامل للتدين.

وهنا يتغير السؤال، لا يعود هل هذا الإنسان عادل؟ رحيم؟ هل هو صادق؟

بل يصبح هل يبدو متدينًا؟

ومع الوقت يبدأ ربط التدين بما يمكن رؤيته، لا بما يكمن داخليًا.

بما يظهر خارجيًا، لا بما يتشكل فى الضمير.

بما يمكن مراقبته، ما يمكن فرضه اجتماعيًا، لا ما ينمو أخلاقيًا داخل الإنسان.

وهنا يتحول الدين، دون إعلان من مشروع أخلاقى، إلى مجموعة من العلامات والمظاهر يمكن ملاحظتها بسرعة.

الخطر هنا ليست فى وجود الرموز، فكل المجتمعات لها رموزها.

لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه العلامات من تعبير عن القيم، إلى بديل عنها.

حين يصبح الشكل دليلًا كافيًا على الجوهر.

وحين يصبح المظهر معيارًا للحكم الأخلاقى على الإنسان.

عند هذه اللحظة، يبدأ الدين فى فقدان أكثر ما جاء ليحميه أساسًا. النية، الضمير، المسؤولية الفردية، والعلاقة المباشرة بين الإنسان وخالقه. ليحل محلها نموذج أبسط… لكنه أخطر.

نموذج يمكن فيه قياس التدين بالنظر، والحكم على الإيمان من الخارج، واختزال الإنسان فى مجموعة من المظاهر .

ومع استمرار هذا التحول، تبدأ المجتمعات، غالبًا دون وعى، فى نقل مراكز الاهتمام من الداخل، إلى الخارج.

من القيم التى تتشكل فى الضمائر، إلى السلوك الذى يمكن ملاحظته، ثم إلى التفاصيل الدقيقة التى يمكن مراقبتها والتحكم فيها.

وهنا، يصبح الجسد نفسه مساحة لإثبات الالتزام.

ويصبح المظهر وسيلة لإعلان الهوية.

وتتحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مؤشرات على القرب أو البعد من النموذج المقبول.

وفى هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال يدور حول طبيعة الإنسان من الداخل، بل حول مدى تطابقه مع الصورة الخارجية المتوقعة منه.

ومع الوقت، لا يطرح هذا التحول فقط باعتباره اختيارًا ثقافيا أو اجتماعى، بل يعاد تقديمه باعتباره جزءًا من الدين نفسه.

وهنا يختفى الحد الفاصل بين ما هو تعبير بشرى عن التدين، وما هو جوهر التدين ذاته.

وعند هذه النقطة، يصبح من الضرورى أن نعود إلى النص القرآنى نفسه، لا إلى الصور الثقافية التى تشكلت حوله عبر الزمن، ولا إلى التفسيرات التى جاءت لاحقًا فى سياقات تاريخية مختلفة.

فاللافت فى الخطاب القرآنى، أنه، فى مواضع كثيرة،

نقل مركز الاهتمام من الشكل، إلى الجوهر، ومن الصورة الظاهرة، إلى النية والعمل.

فالقرآن لا يربط قيمة الإنسان بما يظهر منه فقط،

بل يربطها بما يتشكل داخله، وبما ينعكس من هذا الداخل فى سلوكه الأخلاقى تجاه الآخرين.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يؤكد الخطاب القرآنى أن معيار القيمة الحقيقى لا يرى بالعين.

"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"

تقوى لا يتم قياسها بالهيئة، ولا بالعلامات الظاهرة،

بل بما يتشكل داخل القلب ويظهر فى العمل.

وفى موضع آخر، ينتقد القرآن الانشغال بالشكل مع غياب الجوهر الأخلاقى، حين يربط التدين الحقيقى بالفعل الإنسانى لا بالمظهر.

"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ

فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ

وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ"

فالخلل هنا لم يتم تقديمه كخلل فى المظهر، بل كخلل فى الضمير والسلوك تجاه الإنسان الآخر.

ولهذا ظل الخطاب القرآنى يربط التدين الحقيقى بالقيم الكبرى، بالعدل، بالرحمة، بالأمانة، بالصدق، وبالمسؤولية الأخلاقية أمام الله والناس معًا.

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ"

وهنا يظهر الفارق الجوهرى بين دين يقاس بما يظهر على الجسد، ودين يقاس بما يخرج من الضمير.

بين تدين يمكن مراقبته من الخارج، وتدين لا يعلم حقيقته إلا الله.

عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال الأخطر ليس

ما الذى أضفناه إلى الدين عبر التاريخ؟

بل ما الذى نقلناه دون أن نشعر من مساحة القيم، إلى مساحة المظهر؟

ففى اللحظة التى يصبح فيها التدين مرتبطًا أساسًا بالمظهر، يبدأ الجسد نفسه فى التحول بهدوء، إلى مساحة لإثبات الالتزام.

فتصبح التفاصيل المرتبطة بالهيئة، وبطريقة الظهور فى المجال العام، وبمدى التطابق مع الصورة الاجتماعية للتدين، جزءًا أساسيًا من تقييم الإنسان دينيًا.

يكون التحول تدريجيًا، حتى أنه يبدو طبيعيًا تمامًا.

فمع الوقت، تبدأ المجتمعات فى اختزال التدين فى مجموعة علامات ومظاهر يمكن ملاحظتها بسهولة.

علامات تمنح شعورًا سريعًا باليقين، وتسمح بالحكم على الناس بسرعة.

وهنا يظهر أحد أخطر التحولات فى الوعى الدينى، حين يبدأ الناس دون أن يشعروا، فى التعامل مع المظاهر وكأنها جوهر التدين نفسه، لا مجرد تعبير ثقافى أو اجتماعى عنه.

عند هذه اللحظة، لا يعود النقاش يدور حول القيم الكبرى. العدل، الرحمة، الصدق، الأمانة، المسؤولية الأخلاقية، مقاومة الظلم.

بل يبدأ فى الدوران حول التفاصيل الظاهرة، ما يجب أن يظهر وما يجب ألا يظهر. وكيف يجب أن يبدو الإنسان ليعتبر “ملتزمًا”.

يصبح من الممكن فى وعى المجتمع، أن ينظر إلى الإنسان باعتباره أقرب أو أبعد عن الدين، بناءًا على علامات يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

ليس بناءًا على عدله، ولا على رحمته، ولا على أمانته، ولا على طريقته فى معاملة الناس.

لم يكن الدين فى جوهره، يومًا مشروع مراقبة خارجية للإنسان. بل كان فى الأصل رحلة أخلاقية داخل الضمير.

ونصل هنا إلى السؤال المهم.

كيف يمكن لمنظومة جاءت لتبنى الإنسان من الداخل،

أن تتحول إلى منظومة تحاسبه أساسًا من الخارج؟

لم يبدأ هذا الخلل فى الأولويات من الدين ذاته، بل من لحظة تجميد الفهم البشرى له. 

فحين يتحول التأويل البشرى إلى مقدس موازى، يصبح السؤال خروجًا، ويصبح التفكير تهديدًا. 

على حين أن القرآن يقدم نفسه بطريقة مختلفة تمامًا، فهو لا يقدم رجال الدين كوسطاء معصومين، بل يحمل الإنسان نفسه مسؤولية الفهم والاختيار.

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ 

ويرفض القرآن فكرة المصادرة المسبقة للعقل، حتى فى القضايا الإيمانية الكبرى، حيث يربط الإيمان بالنظر والتفكر فى الكون والواقع والتاريخ. 

ومن هنا يصبح الدين، فى جوهره، مشروعًا أخلاقيًا مفتوحًا، لا منظومة مغلقة من الإجابات الجاهزة.

واذا تم التخلى عن ذلك، يحدث التحول الأخطر.

يتراجع سؤال العدل، والرحمة، والصدق، والأمانة…

ويتقدم سؤال ماذا ترتدى؟ كيف تبدو؟ ماذا تظهر للناس؟

بينما يضع القرآن معيارًا مختلفًا تمامًا للأفضلية الإنسانية:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

واللافت أن القرآن نفسه يحذر من الاكتفاء بالمظهر الدينى دون جوهر أخلاقى.

فعند الحديث عن الصلاة مثلًا، وهى أعظم الشعائر الشكلية، لا يكتفى بطلب أدائها، بل يحذر من تحويلها إلى حركة بلا أثر.

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ • الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ • الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ 

هنا نجد المفارقة الصادمة.

النص لا ينتقد تاركى الصلاة فقط، بل ينتقد من يؤدونها شكليًا دون حضور أخلاقى.

بل يذهب القرآن أبعد من ذلك، حين يربط الدين كله بفكرة أخلاقية مركزية.

﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ…﴾ 

ثم يملأ الآية بقيم العدل، الوفاء، الرحمة، الصبر، نصرة الضعيف.

كأن النص يقول بوضوح، الخطر لا يبدأ حين يترك الناس الطقوس، بل حين تتحول الطقوس إلى بديل عن الأخلاق.

ومن هنا نفهم كيف يمكن أن يتحول الدين، دون أن نشعر، إلى قائمة مراقبة اجتماعية.

شعر المرأة، شكل اللحية، طول الثوب، لغة الجسد…

بينما تتراجع الأسئلة الأخطر، هل نحن أكثر عدلًا؟

هل نحن أقل ظلمًا؟

هل أصبح الإنسان أكثر كرامة داخل المجتمع؟

وهنا تكمن المأساة الفكرية الحقيقية.

حين يتحول الدين من قوة تحرير أخلاقى…

إلى منظومة ضبط اجتماعى. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!