"الأقرب إلى الحقيقة"، متى بدأ الانحدار؟
لم تكن الحضارة الإسلامية فى أوجها حضارة وعظ وتلقين، أو حضارة حفظ وتكرار، بل كانت، فى ذروتها، حضارة فكر وعقل وسؤال، ومحاولة فهم.
فى العصر العباسى، حين كان العقل فى قلب المشهد،
لم يكن المسلم يقرأ النص فقط، بل يقرأ ويتأمل فى الكون كما دعاه القرآن.
لم يكن غريبًا، إذن، أن يولد علم الجبر، وأن تتأسس منهجية الرصد الفلكى، وأن تتم ترجمة علوم الإغريق، لا بغرض الحفظ، بل بغرض البحث والنقد والتطوير.
وحين يشير علماء معاصرون — مثل نيل ديجراس تايسون — إلى أن عددًا كبيرًا من النجوم التى نراها اليوم ما زال يحمل أسماء عربية، فهم لا يتحدثون هنا عن اللغة، بل عن تلك المرحلة التى كان فيها العقل المسلم مشاركًا فى تسمية نجوم السماء نفسها.
فأن تقوم بتسمية أحد النجوم، يعنى ذلك أنك قمت برصده، وحسبت حركته، وفهمت موقعه، وكنت تمتلك اللغة الرياضية اللازمة لوصفه.
لم يحدث هذا داخل حضارة تخاف السؤال، ولا فى ثقافة تقدس النقل على حساب العقل، بل فى عالم يؤمن أن فهم الكون عبادة، وأن العقل أداة، لا خطر.
لكن السؤال الأهم ليس، كيف توهجت تلك الحضارة؟
بل لماذا خفت بريقها؟
كثيرون حاولوا تفسير الانحدار لأسباب سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية.
وكلها أسباب صحيحة… لكنها ليست كافية.
لأن تلك الأسباب لم تكن لتعمل بهذا العمق، لولا تحول أخطر وأهم.
تحول فى منهج التفكير نفسه.
فحين بدأ الشك فى العقل، وضاقت الصدور بالسؤال، وتحولت الروايات البشرية إلى سلطة موازية، والحديث إلى نص مقدس، وتحول الخلاف إلى خروج عن الملة… عندها لم يتم القضاء على الفكر العقلانى وحده، بل تم فتح الباب أمام كل أسباب الانهيار الأخرى.
لم يكن القضاء على الفكر العقلانى هو وحده سبب الانهيار، لكنه كان الشرط الذى جعل كل أسباب الانهيار ممكنة.
من هنا تبدأ الحكاية.
لا بوصفها رثاء لماضى جميل، ولا جلدًا للذات، بل محاولة صادقة لفهم تلك اللحظة التى تراجع فيها العقل خطوة إلى الخلف،
فتقدمت الفوضى إلى الأمام.
تعليقات