"الأقرب إلى الحقيقة"، من القيم إلى الشكل
"حين يتم اختزال الدين" (٣) غالباً ما تبدأ الأزمات الفكرية الكبرى بهدوء. فالمجتمعات لا تستيقظ فجأة لتقرر أن القيم لم تعد مهمة، أو تجتمع لتعلن أن الشكل أصبح أهم من الجوهر. بل يحدث مثل هذا التحول بشكل تدريجى، حتى أنه يبدو طبيعيًا تمامًا. يحدث التحول حين تصبح العلامات والمظاهر الخارجية أسهل للقياس، وأسرع فى الحكم، وأكثر أمانًا اجتماعيًا من القيم الحقيقية. فالعدل مثلأ قيمة معقدة، والرحمة تحتاج إلى وعى داخلى، والصدق لا يمكننا أن نقوم بقياسه بالنظر. أما المظاهر الخارجية، فيمكننا رؤيتها فورًا، ويمكن الحكم على الناس من خلالها بسرعة. وهنا يبدأ التحول الأخطر، حين تتحول القيم إلى رموز، ثم تتحول الرموز إلى بديل عن القيم نفسها. المجتمعات بشكل طبيعى، لا تحب المناطق الرمادية. والقيم الأخلاقية تحتاج إلى معرفة حقيقية بالإنسان قبل إصدار الأحكام عليه، بينما الحياة الاجتماعية تبحث عن الاختصارات المرئية. لذلك تبدأ المجتمعات، خاصة فى أوقات الضعف أو الاضطراب، فى البحث عن مظاهر أخلاقية مختصرة تجعل الحكم على الناس أسرع، وتجعل التمييز بين ما المفترض أن يكون صحيح أو خطأ أكثر بساطة. فتظهر تدريجيًا مظاه...