المشاركات

"الأقرب إلى الحقيقة"، من القيم إلى الشكل

"حين يتم اختزال الدين" (٣) غالباً ما تبدأ الأزمات الفكرية الكبرى بهدوء. فالمجتمعات لا تستيقظ فجأة لتقرر أن القيم لم تعد مهمة، أو تجتمع لتعلن أن الشكل أصبح أهم من الجوهر. بل يحدث مثل هذا التحول بشكل تدريجى، حتى أنه يبدو طبيعيًا تمامًا. يحدث التحول حين تصبح العلامات والمظاهر الخارجية أسهل للقياس، وأسرع فى الحكم، وأكثر أمانًا اجتماعيًا من القيم الحقيقية. فالعدل مثلأ قيمة معقدة، والرحمة تحتاج إلى وعى داخلى، والصدق لا يمكننا أن نقوم بقياسه بالنظر. أما المظاهر الخارجية، فيمكننا رؤيتها فورًا، ويمكن الحكم على الناس من خلالها بسرعة. وهنا يبدأ التحول الأخطر، حين تتحول القيم إلى رموز، ثم تتحول الرموز إلى بديل عن القيم نفسها. المجتمعات بشكل طبيعى، لا تحب المناطق الرمادية. والقيم الأخلاقية تحتاج إلى معرفة حقيقية بالإنسان قبل إصدار الأحكام عليه، بينما الحياة الاجتماعية تبحث عن الاختصارات المرئية.  لذلك تبدأ المجتمعات، خاصة فى أوقات الضعف أو الاضطراب، فى البحث عن مظاهر أخلاقية مختصرة تجعل الحكم على الناس أسرع، وتجعل التمييز بين ما المفترض أن يكون صحيح أو خطأ أكثر بساطة. فتظهر تدريجيًا مظاه...

"الأقرب إلى الحقيقة"، كيف أصبحت "السلفية" هى الإسلام فى وعى العامة؟

"حين يتم اختزال الدين" (٢) لم يبدأ اختزال الدين حين ظهرت مدرسة فقهية معينة، ولا حين انتصر رأى على آخر داخل تاريخ طويل من الجدل والاجتهاد. بل بدأ حين توقف الناس عن إدراك أن الدين أوسع من أى تفسير واحد له. فالدين، لم يكن نسخة جاهزة، ولا خطابًا أحادى الصوت، ولا طريقًا واحدًا يفرض على الجميع بوصفه هو الطريق الوحيد. بل كان ساحة مفتوحة للتساؤل، ومجالًا حيًا للاجتهاد، وحوارًا مستمرا بين النص والعقل والواقع المعاش. الوعى داخل المجتمعات تصنعه القوى الناعمة التى تحيط بالإنسان منذ طفولته. ما يسمعه، ما يخاف منه، ما يتم اعتباره مقبول اجتماعيًا.  ما يقال له إنه “الدين الصحيح” دون أن يمتلك الفرصة لأن يرى غيره أصلًا. وهنا يبدأ التحول الأخطر، ليس حين ينتصر تفسير دينى معين، بل حين يختفى كل تفسير آخر من المجال العام. لأنه عند هذه اللحظة، لا يعود الناس يظنون أن هناك آراء متعددة داخل الدين، بل يبدأون فى الاعتقاد أن ما يرونه أمامهم هو الدين ذاته… كما لو أنه لم يوجد غيره يومًا. كان ذلك هو ما حدث بالفعل.  ففى لحظة ما من التاريخ الحديث، تراجع حضور التعدد الفقهى والفكرى بين الناس، وصعد خطاب أحادى ي...

"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتحول الخطاب إلى نص جامد

لم يكن القرآن فى لحظة نزوله الأولى، ، كتابًا بالشكل والمعنى الذى نعرفه اليوم. لم ينزل دفعة واحدة، ولم يقدم لنا كنص مكتمل مغلق المعنى، بل كخطاب حى، يتفاعل مع الأسئلة، والوقائع، والبشر داخل زمنه. الخطاب بطبيعته هو عبارة عن حوار، يسأل، ويجيب، ويعيد طرح الأسئلة بصورة أعمق. ولهذا لم يقم القرآن بمخاطبة المتلقى بوصفه تابعًا بل بوصفه شريكًا فى الفهم. فكان يقوم بعملية استدعاء عقلية قبل أن يطالب الناس بطاعته: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾، ﴿أفلا يعقلون﴾، ﴿لعلهم يتفكرون﴾. أما النص، حين يتم فصله عن سياقه وقراءته باسلوب منغلق، فإنه يتحول حينها إلى كيان ثابت، مكتفى بذاته، لا يحتمل إلا قراءة واحدة وتفسير وحيد. وهنا تبدأ الإشكالية. لم يقم القرآن أبدا بمخاطبة إنسان مسلوب الإرادة، ولا عقلًا معطلا عن الفهم، بل إنسانًا مسئولًا عن اختياره وفهمه: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾. الهداية هنا ليست قسرًا أو إملاء، بل دعوة للفهم. لكن وفى لحظة تاريخية معينة تغير شيئًا ما. لم يكن هناك قرار معلن بإلغاء العقل، بل كان القرار الأخطر هو تحييد العقل باسم القداسة. لم يعد السؤال وسيلة للفهم، بل تحول إلى شبهة. ولم يعد ا...

"الأقرب إلى الحقيقة"، من "المأمون" إلى "المتوكل"، كيف تغير المسار؟

لم يكن التحول الذى شهدته الحضارة الإسلامية فى منتصف القرن الثالث الهجرى تحولًا مفاجئًا، ولا كان انقلابًا دينيًا بالمعنى المباشر أو الساذج للكلمة. لكن يمكن وصفه بالتحول الجوهرى فى علاقة السلطة بالتفكير العقلانى، وبالتحول فى مكانة التساؤلات الفكرية والدينية داخل الدولة والمجتمع. فى عهد الخليفة المأمون، لم يكن العقل خصمًا للدين، بل شريكًا فى فهمه. ولم يكن التفكير تهديدًا، بل أداة لفهم الكون والحياة والإنسان والدين. لقد قام "المأمون" برعاية حركة الترجمة، وفتح أبواب بيت الحكمة. لم يفعل ذلك بغرض الترف، بل انطلاقًا من قناعة تامة، سواءا كانت صريحة أو ضمنية، بأن الحقيقة لا تخشى النقاش، وأن الإيمان لا ينهار أمام التساؤلات. فى هذا السياق، ازدهرت العلوم، الجبر، والفلك، والطب، والفلسفة. لم يكن العقل المسلم حينها يكتفى بنقل علوم الإغريق، بل أعاد قراءتها، ونقدها، وتطويرها. غير أن هذه اللحظة، بكل ما فيها من توهج، حملت فى داخلها أيضاً بذور التوتر. لم تكن محنة خلق القرآن مجرد خلاف لاهوتى فقهى دينى، بل كانت لحظة اصطدام خطيرة ما بين الأفكار والسلطة. خطأ "المأمون"، فى رأيى الخاص، لم يك...

"الأقرب إلى الحقيقة"، متى بدأ الانحدار؟

لم تكن الحضارة الإسلامية فى أوجها حضارة وعظ وتلقين، أو حضارة حفظ وتكرار، بل كانت، فى ذروتها، حضارة فكر وعقل وسؤال، ومحاولة فهم. فى العصر العباسى، حين كان العقل فى قلب المشهد، لم يكن المسلم يقرأ النص فقط، بل يقرأ ويتأمل فى الكون كما دعاه القرآن. لم يكن غريبًا، إذن، أن يولد علم الجبر، وأن تتأسس منهجية الرصد الفلكى، وأن تتم ترجمة علوم الإغريق، لا بغرض الحفظ، بل بغرض البحث والنقد والتطوير. وحين يشير علماء معاصرون — مثل نيل ديجراس تايسون — إلى أن عددًا كبيرًا من النجوم التى نراها اليوم ما زال يحمل أسماء عربية، فهم لا يتحدثون هنا عن اللغة، بل عن تلك المرحلة التى كان فيها العقل المسلم مشاركًا فى تسمية نجوم السماء نفسها. فأن تقوم بتسمية أحد النجوم، يعنى ذلك أنك قمت برصده، وحسبت حركته، وفهمت موقعه، وكنت تمتلك اللغة الرياضية اللازمة لوصفه. لم يحدث هذا داخل حضارة تخاف السؤال، ولا فى ثقافة تقدس النقل على حساب العقل، بل فى عالم يؤمن أن فهم الكون عبادة، وأن العقل أداة، لا خطر. لكن السؤال الأهم ليس، كيف توهجت تلك الحضارة؟ بل لماذا خفت بريقها؟ كثيرون حاولوا تفسير الانحدار لأسباب سياسية، أو اقتصادية، أ...

"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتكلم الكون لغة العقل

قابلية الكون للتفسير الرياضى هى واحدة من أكثر الظواهر إرباكًا للفلاسفة والعلماء على حد سواء. لم يكن التساؤل المطروح دائمًا هو كيف يعمل الكون؟ بل كان السؤال الأعمق هو، لماذا يعمل الكون وفق قوانين يمكن للعقل فهمها أصلًا؟ فالرياضيات فى النهاية ليست مادة فيزيائية، ولا هى طاقة، ولا جسيمًا يمكن رصده أو قياسه. ومع ذلك، تستطيع الرياضيات أن تصف بدقة حركة المجرات فى أطراف الكون، وأن تفسر سلوك الجسيمات دون الذرية، بل وتتنبأ بظواهر لم ترى بعد…  فهل اخترع الإنسان هذه القوانين، أم أنه فقط اكتشف لغة كانت مكتوبة قبل أن يوجد؟ وهل قام العقل بترتيب النظام الكونى، أم أنه لم يفعل أكثر من استخدام مفتاح صغير لباب كان موجودًا من قبل؟ من هنا، دعونا نبدأ رحلة بسيطة، لا من أجل إثبات الإيمان بوجود الخالق، بل لفهم فى كيف يتصرف العقل حين يواجه نظامًا يبدو أكبر من مجرد المصادفة. نحن — فيما يبدو — نعيش فى كون شديد الانضباط. كون لا يغير قوانينه كل صباح، ولا يخدع العلماء والباحثين. لأنه ببساطة لو لم يكن هذا النظام موجودًا، لما كان من الممكن أن يظهر العلم، ولا التنبؤ، ولا حتى المسؤولية الأخلاقية. فى لحظة مبكرة من ا...

"الأقرب إلى الحقيقة"، المعجزة الديناميكية…

بعد تفكيك الخلط بين السنة والأحاديث، وبعد التمييز بين الملك والإله، ثم بين الكتاب والحكمة، نصل إلى السؤال الأعمق، والأكثر حساسية. ما طبيعة القرآن ذاته؟ هل هو نص مغلق، أم خطاب مفتوح؟ النص، فى معناه الفلسفى، كيان مغلق، ثابت الدلالة، مكتفى بذاته، يطالب القارئ بالانصياع له. أما الخطاب، فهو علاقة حية، بين متكلم ومخاطب، بين رسالة وسياق، بين معنى وزمن. والقرآن — كما أفهمه — ليس مجرد نص، بل خطاب مستمر. خطاب لا يلقى مرة واحدة ثم يغلق، بل يعاد تلقيه، ويعاد فهمه، ويعاد تأويله كلما تغير الإنسان. دعونا نعود إلى العصر الإسلامى فى ذروة مجده الفكرى والعلمى. حين تقدم العقل خطوة إلى الأمام مع فكر المعتزلة. لم يكن المعتزلة تيارًا متمردًا، بل كانوا أوفياء لفكرة جوهرية. أن الله خاطب الإنسان بما يعقل، لا بما يعطل عقله. لذلك قالوا: • العقل سابق على النقل فى الفهم • والعدل الإلهى يستحيل مع الجبر • والمعنى لا يفرض، بل يفهم من هذا المنظور، لا يكون القرآن مجموعة أوامر جامدة، بل حوارًا مفتوحًا مع العقل الإنسانى. فى رأيى أن معجزة القرآن الحقيقية هى الديناميكية. ليست معجزة القرآن فى البلاغة وحدها، ولا فى الإخبار وح...