عائشة


ملاحظة تاريخية على الهامش… وقبل أن يصبح عمر عائشة عامًا ونصف.


أتذكر فى طفولتى أنه كان يقال إن عمر السيدة عائشة عند الزواج كان فى حدود الثامنة عشرة.

كبرنا قليلًا، فقالوا ستة عشر.

كبرنا أكثر، فصار عمرها تسعة.

والآن، وبثقة من عثر على شهادة ميلاد رسمية مختومة بختم النبوة، أصبحت فى السادسة من عمرها…

وأتوقع إن مد الله فى عمرى، أن أسمع قريبًا من يقول،

“لا، كانت فى الثانية… لكنها كانت ناضجة فكريًا!”


الغريب أن هذا كله يقال عن زمن لم تكن فيه شهادات ميلاد، ولا سجلات مدنية، ولا حتى تواريخ دقيقة لأعمار الرجال أنفسهم.

ومع ذلك، يتم مناقشة هذه الأعمار اليوم وكأنها صادرة عن مصلحة الأحوال المدنية فى مكة المكرمة.

والأكثر غرابة أن كل الأحاديث التى تحدد سن عائشة، ليست سوى أحاديث آحاد، مقولات ظنية، لا يعرف أحد على وجه الدقة كيف، ولا أين، ولا متى، ولا لماذا تم الإقرار بصحتها.


الحقيقة الوحيدة القابلة للتصديق هى، أن لا أحد يعرف على وجه اليقين، كم كان عمرها الحقيقى.

ومع ذلك، يتم التعامل مع هذه الروايات اليوم كأنها حقيقة رياضية مثبتة علميًا، بل ويتم تخوين وأحيانًا تكفير كل من يذكر أننا نتحدث عن تراث ظنى، لا عن وحى قطعى.


الأغرب وجود طرفين يفترض أنهما متضادان، اتفقا عن وعى أو بدونه، على تصغير سن عائشة، ولكل منهما أسبابه.

أما السلفيون، فمثل هذا التصغير يخدم خيالًا فقهيًا مهووسًا بالتوسع فى الزواج، وتحديدًا من الفتيات الأصغر سنًا.

وأما أعداء الإسلام، فلأن الرقم نفسه يصبح أداة جاهزة للهجوم على محمد، لا بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن الإدانة.

وهكذا، يلتقى الطرفان عند النقطة نفسها، وإن اختلفت النوايا.


ثم دعونا نتخطى موضوع السن ونسأل السؤال الأهم، الذى يتم تجاهله عمدًا.

من كانت عائشة؟

هل كانت فتاة ضعيفة، مهيضة الجناح، بلا سند ولا مكانة؟

إنها على العكس تمامًا.

كانت من أشراف مكة، ابنة أبو بكر، أحد أقوى رجال قريش، الرجل الثرى صاحب النفوذ، صديق النبى الصدوق، والذى أصبح لاحقًا الخليفة الأول للمسلمين.


نشأت عائشة فى بيت سلطة لا على الهامش، وفى عائلة تعى موقعها القبلى والاجتماعى جيدًا.

وتكشف شخصيتها نفسها عن ذلك.

لم تكن امرأة منكسرة أو مسلوبة الإرادة،

بل حادة الرأى، قوية الحضور، واضحة الانتماء.

ويكفى النظر إلى مواقفها السياسية اللاحقة، وتحفظها المعروف على بعض الخلفاء، لفهم أنها كانت واعية بمكانتها، منحازة لبيئتها، وصريحة فى مواقفها.

وهذا التوضيح، ليس طعنًا فيها، بل هو دليل إضافى على أنها لم تكن شخصية ضعيفة أو هامشية.


ورأيى الشخصى، الذى ربما قد يغضب الطرفين،

أنها، وهى ابنة أبيها المدللة، الذكية، الحاضرة، ترى محمد عن قرب، تسمع حديثه، تلاحظ أخلاقه،

فينشأ الإعجاب…

ثم الحب…

ثم الرغبة فى الزواج.


ثم دعونا ننظر لما بعد وفاة الرسول.

إنها قصة حب وتقدير وتبجيل مستمرة.

لا كراهية، ولا قطيعة، ولا صمت.

بل وفاء، وحنين، ودفاع امتد لعقود.


مع ذلك، يصر البعض اليوم على تحويلها إلى “ضحية أبدية”، بطريقة تسلبها إنسانيتها.


فى النهاية، المشكلة ليست فى عائشه،  

ولا فى عمر يهبط مع الوقت.

المشكلة فى عقول خائفة، تظن أن الإيمان لا يصمد إلا إذا حرمت الأسئلة،

وأن القداسة لا يتم حمايتها إلا بإلغاء الإنسان.

وحين يختزل التاريخ فى أرقام،

وتختزل الشخصيات فى أعمار،

وتختزل الأخلاق فى عناد متبادل…

نكون قد خسرنا الدين،

والعقل،

والحكاية معًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سيناريو: قصر الرمال

توثيق الحديث: (إعادة تعريف المعايير) للدكتور "إسرار أحمد خان"

الذكاء ليس كافيًا!