"الأقرب إلى الحقيقة"، من "المأمون" إلى "المتوكل"، كيف تغير المسار؟
لم يكن التحول الذى شهدته الحضارة الإسلامية فى منتصف القرن الثالث الهجرى تحولًا مفاجئًا، ولا كان انقلابًا دينيًا بالمعنى المباشر أو الساذج للكلمة. لكن يمكن وصفه بالتحول الجوهرى فى علاقة السلطة بالتفكير العقلانى، وبالتحول فى مكانة التساؤلات الفكرية والدينية داخل الدولة والمجتمع.
فى عهد الخليفة المأمون، لم يكن العقل خصمًا للدين، بل شريكًا فى فهمه.
ولم يكن التفكير تهديدًا، بل أداة لفهم الكون والحياة والإنسان والدين.
لقد قام "المأمون" برعاية حركة الترجمة، وفتح أبواب بيت الحكمة.
لم يفعل ذلك بغرض الترف، بل انطلاقًا من قناعة تامة، سواءا كانت صريحة أو ضمنية، بأن الحقيقة لا تخشى النقاش، وأن الإيمان لا ينهار أمام التساؤلات.
فى هذا السياق، ازدهرت العلوم، الجبر، والفلك، والطب، والفلسفة.
لم يكن العقل المسلم حينها يكتفى بنقل علوم الإغريق، بل أعاد قراءتها، ونقدها، وتطويرها.
غير أن هذه اللحظة، بكل ما فيها من توهج، حملت فى داخلها أيضاً بذور التوتر.
لم تكن محنة خلق القرآن مجرد خلاف لاهوتى فقهى دينى، بل كانت لحظة اصطدام خطيرة ما بين الأفكار والسلطة.
خطأ "المأمون"، فى رأيى الخاص، لم يكن فى تبنيه الموقف العقلانى السليم من القضية، بل فى محاولة فرضه بالقوة. فى تحويله السؤال الفكرى لأداة سياسية.
وحين يتم فرض العقلانية بالسيف، تفقد حينها صفتها الأساسية،
الحرية.
وحينما جاء الخليفة "المتوكل" لاحقًا، لم يكن ما قام به هو تصحيح لخطأ فلسفى كان من الممكن تجاوزه، وإنما كان الغاءاً تاما لمرحلة كاملة من رعاية العقل.
فبانتصار أهل الحديث، لم يتم هزيمة المعتزلة وحدهم، بل هزيمة المنهج العقلى نفسه.
لم يعد للتساؤل العقلى قيمة، ولم يعد الخلاف رحمة، ولا العقل ميزانًا للحقيقة.
تم إقصاء مدارس كاملة، وأُحرقت كتب، وتحول الخوف من الفتنة إلى خوف من التفكير ذاته.
هنا تغير المسار.
لم تكن تلك لحظة انهيار فورى، ولكن بداية انحدار طويل، أصبح فيه النقل ملاذًا آمنًا، والتقليد فضيلة، والسؤال شبهة.
منذ تلك اللحظة، لم يعد القضاء على الفكر العقلانى سببًا وحيدًا لكل ما تلاه، لكنه أصبح الشرط الذى جعل كل أسباب الانهيار ممكنة.
مع ذلك يظل هناك تساؤل مشروع. لماذا لم يكن سؤال "خلق القرآن" عبثيًا ولا ثانويًا؟
قد يبدو سؤال "هل القرآن مخلوق أم أزلى؟" للبعض جدلًا فقهيًا بعيدًا عن الواقع، لكن فى سياقه التاريخى، كان هذا السؤال يمس جوهر العلاقة بين الوحى والعقل.
فالسؤال لم يكن عن الله، بل عن طبيعة النص.
هل هو خطاب يتفاعل مع الزمن والعقل والواقع؟ أم كيان أزلى مغلق، ثابت المعنى، خارج التاريخ؟
لم يقل المعتزلة، ومن تبنى رؤيتهم العقلانية، بخلق القرآن استهانة به، بل دفاعًا عن عدل الله، وتنزيهًا له عن الجمود، وتأكيدًا بأن الخطاب الإلهى يخاطب الإنسان داخل الزمن، لا خارجه.
لكن يظل الخطأ الكبير، ويجب أن يقال هذا بوضوح، لم يكن فى الفكرة ذاتها، بل فى تحويلها إلى محنة سياسية.
فحين قرر المأمون منح هذا السؤال سلطة تعادل وزن الدولة وهيبتها، انتقل النقاش من ساحة العقل إلى ساحة القهر، ومن الجدل الفكرى إلى الإكراه.
فتم إيذاء من رفضوا الفكرة، بل وسجن بعضهم، فتحول الخلاف الفلسفى إلى جرح اجتماعى عميق.
هنا، رغم صحة الموقف العقلى، خسر العقل معركته الأخلاقية.
ومع الخلفاء اللاحقين، وخاصة "المتوكل"، حدث التحول الحاسم.
لم يكن الأمر مجرد تصحيح لخطأ سياسى سابق، بل انقلابًا كاملًا فى الاتجاه.
لقد تم نصرة "أحمد بن حنبل" وأهل الحديث، وتم حظر فكر المعتزلة، وأُحرقت كتبهم.
لقد أُقصى العقل من مركز المشهد.
هنا لم يتم معاقبة تيار بعينه، بل عوقب منهج كامل فى التفكير.
فلم يعد السؤال ولا الشك مقبولًا، ولم يعد العقل شريكًا فى الفهم.
صار النقل ملاذًا، والطاعة فضيلة، والخلاف تهديدًا.
ومن تلك اللحظة، بدأ الحديث، الذى هو فى أصله رواية بشرية عن النبى، يخرج من سياقه التاريخى، ويدخل منطقة لم يدعها لنفسه يومًا.
منطقة القداسة المطلقة.
لم نعد نسأل ماذا قال النبى؟
بل كيف نسكت من يحاول التساؤل؟
القرآن فى جوهره خطاب.
خطاب يخاطب العقل، ويستفزه، ويدعوه للتفكر، ويعيد طرح الأسئلة فى كل زمان ومكان.
لكن حين تم إقصاء العقل من المعادلة، تحول الخطاب إلى نص مغلق، والنص إلى سلطة،
والسلطة إلى أداة إقصاء.
وحين يتحول الحديث إلى نص مقدس، لا يتم تقييد العقل وحده، بل يقيد الوحى نفسه.
مرة أخرى لم يكن القضاء على الفكر العقلانى وحده هو سبب الانهيار، لكنه كان الشرط الذى جعل كل أسباب الانهيار ممكنة.
فمنذ تلك اللحظة، صار الماضى أكثر قداسة من الحاضر، والنقل أكثر أمانًا من الفهم، والصمت أكثر حكمة من السؤال.
لكننا مازلنا نعتقد بأن التاريخ لا يغلق دفاتره إلى الأبد.
وما تم تأجيله سابقاً ، يظهر الأن جليا فى صورة أزمة حضارية شاملة، تفرض علينا نفس السؤال مرة أخرى.
هل نريد دينًا يعيش داخل الماضى؟
أم رسالة تنير لنا المستقبل؟
ربما لم يكن السؤال عن "خلق القرآن" هو الخطأ، ولكن الخطأ أن نغلق الملف، ونترك العقل خارج الغرفة.
ومن هنا…
لا تبدأ إعادة القراءة،
بل تبدأ المسؤولية.
تعليقات