المشاركات

عرض المشاركات من فبراير, 2026

"الأقرب إلى الحقيقة"، من القيم إلى الشكل

"حين يتم اختزال الدين" (٣) غالباً ما تبدأ الأزمات الفكرية الكبرى بهدوء. فالمجتمعات لا تستيقظ فجأة لتقرر أن القيم لم تعد مهمة، أو تجتمع لتعلن أن الشكل أصبح أهم من الجوهر. بل يحدث مثل هذا التحول بشكل تدريجى، حتى أنه يبدو طبيعيًا تمامًا. يحدث التحول حين تصبح العلامات والمظاهر الخارجية أسهل للقياس، وأسرع فى الحكم، وأكثر أمانًا اجتماعيًا من القيم الحقيقية. فالعدل مثلأ قيمة معقدة، والرحمة تحتاج إلى وعى داخلى، والصدق لا يمكننا أن نقوم بقياسه بالنظر. أما المظاهر الخارجية، فيمكننا رؤيتها فورًا، ويمكن الحكم على الناس من خلالها بسرعة. وهنا يبدأ التحول الأخطر، حين تتحول القيم إلى رموز، ثم تتحول الرموز إلى بديل عن القيم نفسها. المجتمعات بشكل طبيعى، لا تحب المناطق الرمادية. والقيم الأخلاقية تحتاج إلى معرفة حقيقية بالإنسان قبل إصدار الأحكام عليه، بينما الحياة الاجتماعية تبحث عن الاختصارات المرئية.  لذلك تبدأ المجتمعات، خاصة فى أوقات الضعف أو الاضطراب، فى البحث عن مظاهر أخلاقية مختصرة تجعل الحكم على الناس أسرع، وتجعل التمييز بين ما المفترض أن يكون صحيح أو خطأ أكثر بساطة. فتظهر تدريجيًا مظاه...

"الأقرب إلى الحقيقة"، كيف أصبحت "السلفية" هى الإسلام فى وعى العامة؟

"حين يتم اختزال الدين" (٢) لم يبدأ اختزال الدين حين ظهرت مدرسة فقهية معينة، ولا حين انتصر رأى على آخر داخل تاريخ طويل من الجدل والاجتهاد. بل بدأ حين توقف الناس عن إدراك أن الدين أوسع من أى تفسير واحد له. فالدين، لم يكن نسخة جاهزة، ولا خطابًا أحادى الصوت، ولا طريقًا واحدًا يفرض على الجميع بوصفه هو الطريق الوحيد. بل كان ساحة مفتوحة للتساؤل، ومجالًا حيًا للاجتهاد، وحوارًا مستمرا بين النص والعقل والواقع المعاش. الوعى داخل المجتمعات تصنعه القوى الناعمة التى تحيط بالإنسان منذ طفولته. ما يسمعه، ما يخاف منه، ما يتم اعتباره مقبول اجتماعيًا.  ما يقال له إنه “الدين الصحيح” دون أن يمتلك الفرصة لأن يرى غيره أصلًا. وهنا يبدأ التحول الأخطر، ليس حين ينتصر تفسير دينى معين، بل حين يختفى كل تفسير آخر من المجال العام. لأنه عند هذه اللحظة، لا يعود الناس يظنون أن هناك آراء متعددة داخل الدين، بل يبدأون فى الاعتقاد أن ما يرونه أمامهم هو الدين ذاته… كما لو أنه لم يوجد غيره يومًا. كان ذلك هو ما حدث بالفعل.  ففى لحظة ما من التاريخ الحديث، تراجع حضور التعدد الفقهى والفكرى بين الناس، وصعد خطاب أحادى ي...

"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتحول الخطاب إلى نص جامد

لم يكن القرآن فى لحظة نزوله الأولى، ، كتابًا بالشكل والمعنى الذى نعرفه اليوم. لم ينزل دفعة واحدة، ولم يقدم لنا كنص مكتمل مغلق المعنى، بل كخطاب حى، يتفاعل مع الأسئلة، والوقائع، والبشر داخل زمنه. الخطاب بطبيعته هو عبارة عن حوار، يسأل، ويجيب، ويعيد طرح الأسئلة بصورة أعمق. ولهذا لم يقم القرآن بمخاطبة المتلقى بوصفه تابعًا بل بوصفه شريكًا فى الفهم. فكان يقوم بعملية استدعاء عقلية قبل أن يطالب الناس بطاعته: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾، ﴿أفلا يعقلون﴾، ﴿لعلهم يتفكرون﴾. أما النص، حين يتم فصله عن سياقه وقراءته باسلوب منغلق، فإنه يتحول حينها إلى كيان ثابت، مكتفى بذاته، لا يحتمل إلا قراءة واحدة وتفسير وحيد. وهنا تبدأ الإشكالية. لم يقم القرآن أبدا بمخاطبة إنسان مسلوب الإرادة، ولا عقلًا معطلا عن الفهم، بل إنسانًا مسئولًا عن اختياره وفهمه: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾. الهداية هنا ليست قسرًا أو إملاء، بل دعوة للفهم. لكن وفى لحظة تاريخية معينة تغير شيئًا ما. لم يكن هناك قرار معلن بإلغاء العقل، بل كان القرار الأخطر هو تحييد العقل باسم القداسة. لم يعد السؤال وسيلة للفهم، بل تحول إلى شبهة. ولم يعد ا...

"الأقرب إلى الحقيقة"، من "المأمون" إلى "المتوكل"، كيف تغير المسار؟

لم يكن التحول الذى شهدته الحضارة الإسلامية فى منتصف القرن الثالث الهجرى تحولًا مفاجئًا، ولا كان انقلابًا دينيًا بالمعنى المباشر أو الساذج للكلمة. لكن يمكن وصفه بالتحول الجوهرى فى علاقة السلطة بالتفكير العقلانى، وبالتحول فى مكانة التساؤلات الفكرية والدينية داخل الدولة والمجتمع. فى عهد الخليفة المأمون، لم يكن العقل خصمًا للدين، بل شريكًا فى فهمه. ولم يكن التفكير تهديدًا، بل أداة لفهم الكون والحياة والإنسان والدين. لقد قام "المأمون" برعاية حركة الترجمة، وفتح أبواب بيت الحكمة. لم يفعل ذلك بغرض الترف، بل انطلاقًا من قناعة تامة، سواءا كانت صريحة أو ضمنية، بأن الحقيقة لا تخشى النقاش، وأن الإيمان لا ينهار أمام التساؤلات. فى هذا السياق، ازدهرت العلوم، الجبر، والفلك، والطب، والفلسفة. لم يكن العقل المسلم حينها يكتفى بنقل علوم الإغريق، بل أعاد قراءتها، ونقدها، وتطويرها. غير أن هذه اللحظة، بكل ما فيها من توهج، حملت فى داخلها أيضاً بذور التوتر. لم تكن محنة خلق القرآن مجرد خلاف لاهوتى فقهى دينى، بل كانت لحظة اصطدام خطيرة ما بين الأفكار والسلطة. خطأ "المأمون"، فى رأيى الخاص، لم يك...

"الأقرب إلى الحقيقة"، متى بدأ الانحدار؟

لم تكن الحضارة الإسلامية فى أوجها حضارة وعظ وتلقين، أو حضارة حفظ وتكرار، بل كانت، فى ذروتها، حضارة فكر وعقل وسؤال، ومحاولة فهم. فى العصر العباسى، حين كان العقل فى قلب المشهد، لم يكن المسلم يقرأ النص فقط، بل يقرأ ويتأمل فى الكون كما دعاه القرآن. لم يكن غريبًا، إذن، أن يولد علم الجبر، وأن تتأسس منهجية الرصد الفلكى، وأن تتم ترجمة علوم الإغريق، لا بغرض الحفظ، بل بغرض البحث والنقد والتطوير. وحين يشير علماء معاصرون — مثل نيل ديجراس تايسون — إلى أن عددًا كبيرًا من النجوم التى نراها اليوم ما زال يحمل أسماء عربية، فهم لا يتحدثون هنا عن اللغة، بل عن تلك المرحلة التى كان فيها العقل المسلم مشاركًا فى تسمية نجوم السماء نفسها. فأن تقوم بتسمية أحد النجوم، يعنى ذلك أنك قمت برصده، وحسبت حركته، وفهمت موقعه، وكنت تمتلك اللغة الرياضية اللازمة لوصفه. لم يحدث هذا داخل حضارة تخاف السؤال، ولا فى ثقافة تقدس النقل على حساب العقل، بل فى عالم يؤمن أن فهم الكون عبادة، وأن العقل أداة، لا خطر. لكن السؤال الأهم ليس، كيف توهجت تلك الحضارة؟ بل لماذا خفت بريقها؟ كثيرون حاولوا تفسير الانحدار لأسباب سياسية، أو اقتصادية، أ...

"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتكلم الكون لغة العقل

قابلية الكون للتفسير الرياضى هى واحدة من أكثر الظواهر إرباكًا للفلاسفة والعلماء على حد سواء. لم يكن التساؤل المطروح دائمًا هو كيف يعمل الكون؟ بل كان السؤال الأعمق هو، لماذا يعمل الكون وفق قوانين يمكن للعقل فهمها أصلًا؟ فالرياضيات فى النهاية ليست مادة فيزيائية، ولا هى طاقة، ولا جسيمًا يمكن رصده أو قياسه. ومع ذلك، تستطيع الرياضيات أن تصف بدقة حركة المجرات فى أطراف الكون، وأن تفسر سلوك الجسيمات دون الذرية، بل وتتنبأ بظواهر لم ترى بعد…  فهل اخترع الإنسان هذه القوانين، أم أنه فقط اكتشف لغة كانت مكتوبة قبل أن يوجد؟ وهل قام العقل بترتيب النظام الكونى، أم أنه لم يفعل أكثر من استخدام مفتاح صغير لباب كان موجودًا من قبل؟ من هنا، دعونا نبدأ رحلة بسيطة، لا من أجل إثبات الإيمان بوجود الخالق، بل لفهم فى كيف يتصرف العقل حين يواجه نظامًا يبدو أكبر من مجرد المصادفة. نحن — فيما يبدو — نعيش فى كون شديد الانضباط. كون لا يغير قوانينه كل صباح، ولا يخدع العلماء والباحثين. لأنه ببساطة لو لم يكن هذا النظام موجودًا، لما كان من الممكن أن يظهر العلم، ولا التنبؤ، ولا حتى المسؤولية الأخلاقية. فى لحظة مبكرة من ا...

"الأقرب إلى الحقيقة"، المعجزة الديناميكية…

بعد تفكيك الخلط بين السنة والأحاديث، وبعد التمييز بين الملك والإله، ثم بين الكتاب والحكمة، نصل إلى السؤال الأعمق، والأكثر حساسية. ما طبيعة القرآن ذاته؟ هل هو نص مغلق، أم خطاب مفتوح؟ النص، فى معناه الفلسفى، كيان مغلق، ثابت الدلالة، مكتفى بذاته، يطالب القارئ بالانصياع له. أما الخطاب، فهو علاقة حية، بين متكلم ومخاطب، بين رسالة وسياق، بين معنى وزمن. والقرآن — كما أفهمه — ليس مجرد نص، بل خطاب مستمر. خطاب لا يلقى مرة واحدة ثم يغلق، بل يعاد تلقيه، ويعاد فهمه، ويعاد تأويله كلما تغير الإنسان. دعونا نعود إلى العصر الإسلامى فى ذروة مجده الفكرى والعلمى. حين تقدم العقل خطوة إلى الأمام مع فكر المعتزلة. لم يكن المعتزلة تيارًا متمردًا، بل كانوا أوفياء لفكرة جوهرية. أن الله خاطب الإنسان بما يعقل، لا بما يعطل عقله. لذلك قالوا: • العقل سابق على النقل فى الفهم • والعدل الإلهى يستحيل مع الجبر • والمعنى لا يفرض، بل يفهم من هذا المنظور، لا يكون القرآن مجموعة أوامر جامدة، بل حوارًا مفتوحًا مع العقل الإنسانى. فى رأيى أن معجزة القرآن الحقيقية هى الديناميكية. ليست معجزة القرآن فى البلاغة وحدها، ولا فى الإخبار وح...

"الأقرب إلى الحقيقة"، بين الكتاب والحكمة وهل القرآن نص أم خطاب؟

إذا كان القرآن قد ميز بدقة بين الملك والإله فى قصة فرعون، وبين السلطة والعقيدة، فمن المنطقى أن نسأل: هل كان القرآن أقل دقة حين تحدث عن مصادر الهداية نفسها؟ وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا التباسًا فى الفكر الإسلامى. وهى الخلط ما بين الكتاب، والحكمة، والسنة، والأحاديث. لننظر إلى ما يقوله القرآن؟ القرآن لا يذكر “الكتاب” وحده، ولا يكتفى به بطريقة منفصلة، لكنه يكرر اقترانه بـ “الحكمة”: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ التكرار هنا ليس امرا عرضيًا، ولا زخرفة لغوية، بل تمييز مقصود بين شيئين مختلفين. ولو كان المقصود بالحكمة هو “الأحاديث”، لقال القرآن ذلك صراحة، أو على الأقل لأشار إلى التدوين، أو النقل، أو رواة. لكنه لم يفعل. ما هو الكتاب إذن؟ الكتاب فى القرآن هو نص منزل، محفوظ، متعبد بتلاوته. إنه المرجعية النهائية. هو الوحى المكتوب، المحدد، الملزم. ولا خلاف على ذلك. وما هى الحكمة؟ الحكمة فى اللغة والقرآن، ليست نصًا، ولا كتابًا ولا محفوظة فى صيغة واحدة. الحكمة هى الفهم، حسن التنزيل، إدراك المقاصد، والتعامل الواقعى مع النص. وله...

"الأقرب إلى الحقيقة"، الفرعون، الملك الإله، معرفة لم تكن متاحه

 الفرعون، الملك الإله، تلك معرفة لم تكن متاحة… وحقيقة قالها القرآن. فى إطار تفكيك الخلط الشائع بين السنة بوصفها منهجًا نبويًا، والأحاديث بوصفها تدوينًا بشريًا متأخرًا، يبرز سؤال أعمق: هل كان القرآن يعتمد على معارف عصره؟ أم أنه قدم توصيفات تاريخية لم تكن متاحة أصلًا؟ من أكثر الأمثلة دلالة على هذا السؤال، تصوير القرآن لشخصية فرعون. فالقرآن لا يكتفى بتصوير فرعون كحاكم مستبد، بل ينسب إليه ادعاءً لاهوتيًا صريحًا: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى﴾ هذه ليست لغة سياسية، ولا تعبيرًا بلاغيًا عن الاستبداد، بل ادعاء كامل بالألوهية. إله أعلى، وإله وحيد، لا مرجعية فوقه. وهنا يبرز سؤال لم يطرح جديًا إلا نادرًا، هل كان هذا معروفًا زمن النبى محمد؟ الجواب ببساطة: لا. فى القرن السابع الميلادى، لم تكن الهيروغليفية مقروءة، ولم يكن معروفًا أن الفرعون كان يعتبر إلهًا حيًا. لم تكن عقيدة “ابن رع”، ولا فكرة “حورس المتجسد”، مفهومة أو متداولة أو معروفة بأى شكل من الأشكال. لم يفهم العالم كله، بما فيه أوروبا، طبيعة الديانة المصرية القديمة إلا بعد فك رموز حجر رشيد فى...

"الأقرب إلى الحقيقة"، حين يتكلم النص على نفسه. قراءة فى لغة الحديث ومضمونه

إذا كانت عملية التفريق بين السنة والأحاديث تحرر هذا المفهوم وتعيده إلى إطاره السليم، وإذا كان فهم كيفية نشأة الحديث يضعه فى سياقه التاريخى، فإن خطوتنا التالية لا تقل أهمية. أن نقترب من النص نفسه، لا بوصفه مقدسًا مسبقًا، ولا بوصفه موضع شك مسبقًا، بل بوصفه خطابًا يقرأ، ويفهم، ويتم القياس عليه. هنا لن نحتاج إلى افتراضات كبرى، ولا إلى نوايا خفية، ولا إلى إسقاطات أيديولوجية. كل ما نحتاجه هو أن ننصت بحرص إلى النص حين يتكلم، وأن نتساءل بهدوء: هل يشبه هذا الصوت صوت القرآن؟ هل ينسجم هذا المعنى مع الصورة الأخلاقية التى رسمها الوحى للنبى؟ هل هذه اللغة نبوية أم بشرية؟ رحيمة أم سلطوية؟ منفتحة على الإنسان أم محاصِرة له؟ فالقرآن، حين يتحدث عن النبى، يقدمه لنا إنسانًا متواضعًا، قريبًا، رحيمًا، لا يعلو على الناس إلا بالخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ هذه ليست أوصافًا عرضية أو تقليدية، بل ملامح أساسية للشخصية النبوية كما يقدمها لنا القرآن.  لذلك، حين نضع هذه الصورة أمام بعض الأحاديث المتداولة، لا نحتاج إل...

"الأقرب إلى الحقيقة"، السنة بين الوحى والتاريخ. قراءة عقلانية

مقدمة ضرورية: هذه السلسلة ضمن مشروع《الأقرب إلى الحقيقة》 ليست دعوة لهدم الدين، ولا محاولة للتشكيك، بل هى محاولة متواضعه لإزالة الخلط، والتمييز بين ما هو وحى قطعى، وما هو اجتهاد بشرى ارتبط بزمانه وسياقه التاريخى. يأتى هذا من منطلق الإيمان بالعقل لا الخوف منه، ومن الاحترام التام للسيرة النبوية، ومن القناعة بأن الحقيقة لا تهاب التساؤلات، وأن الدين الذى يخشى المراجعة يتحول، مع الزمن، إلى روايات بشرية هشة، لا إلى وحى إلهى حى. سلسلة «الأقرب إلى الحقيقة» لا تدعى امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنها ترفض الاكتفاء بالمسلمات الموروثة، خاصة حين تتصادم مع النص القطعى، أو مع البداهة العقلانية، أو مع القيم الأخلاقية الكبرى التى جاء بها القرآن. المقال الأول "السنة ليست الأحاديث" تفكيك تأسيسى للخلط المنهجى من أكثر المسلمات شيوعًا فى الخطاب الدينى المعاصر، القول بأن «السنة» هى نفسها «الأحاديث»، وأن من شكك فى الأحاديث فقد شكك فى الدين ذاته. غير أن هذه المسلمة، على الرغم من انها قد تبدو بسيطة، تخفى خللًا منهجيا عميقًا، لا فى فهم النصوص فحسب، بل فى تصور طبيعة الوحى نفسه. فالقرآن، وهو النص الوحيد الذى و...

"الأقرب إلى الحقيقة"، معضلة العقل البشرى التى "فاجأت داروين"

هل تنفى نظرية التطور بالفعل وجود الخالق؟ ترسخت فى العقود الأخيرة، أسطورة فكرية بأن نظرية النشوء والارتقاء قد أنهت سؤال وجود الإله، وأغلقت الباب أمام أى تصور غيبى للوجود، وأن العلم قد حل نهائيا محل الأفكار الدينية. علينا أولا الاعتراف بأن ما ساهم فى انتشار مثل هذا التصور، هو الكثير من التناقضات سواء الحقيقية أو المتصورة بين العلم الحديث وبعض النصوص الدينية، فتم تعميم الحكم على الأديان كلها، بوصفها كيانًا واحدًا متجانسًا. غير أن هذا المسار فى الواقع، قد تشكل فى الكثير من الأحيان، اعتمادًا على معرفة جزئية أو غير مباشرة بالنصوص. ويكاد فى كل الأحوال يغيب عنه الاطلاع الجاد على التصور القرآنى، والذى يختلف فى بنيته ولغته ومقاصده عن كثير من المدونات الدينية الأخرى. لقد جرى تقديم نظرية النشوء والارتقاء لا بمجرد وصفها باعتبارها إطارًا علميًا يفسر آليات التغير الحيوى فحسب، وانما كبديل فلسفى يجيب عن سؤال الوجود ذاته. على أن هذا التصور الشائع لن يصمد طويلًا أمام قراءة أكثر هدوءًا لتاريخ النظرية نفسها. فنظرية النشوء والارتقاء، فى جوهرها، تشرح كيف تتغير وتتطور الكائنات، لا لماذا وجدت، ولا تشرح الكيفية...

عائشة

ملاحظة تاريخية على الهامش… وقبل أن يصبح عمر عائشة عامًا ونصف. أتذكر فى طفولتى أنه كان يقال إن عمر السيدة عائشة عند الزواج كان فى حدود الثامنة عشرة. كبرنا قليلًا، فقالوا ستة عشر. كبرنا أكثر، فصار عمرها تسعة. والآن، وبثقة من عثر على شهادة ميلاد رسمية مختومة بختم النبوة، أصبحت فى السادسة من عمرها… وأتوقع إن مد الله فى عمرى، أن أسمع قريبًا من يقول، “لا، كانت فى الثانية… لكنها كانت ناضجة فكريًا!” الغريب أن هذا كله يقال عن زمن لم تكن فيه شهادات ميلاد، ولا سجلات مدنية، ولا حتى تواريخ دقيقة لأعمار الرجال أنفسهم. ومع ذلك، يتم مناقشة هذه الأعمار اليوم وكأنها صادرة عن مصلحة الأحوال المدنية فى مكة المكرمة. والأكثر غرابة أن كل الأحاديث التى تحدد سن عائشة، ليست سوى أحاديث آحاد، مقولات ظنية، لا يعرف أحد على وجه الدقة كيف، ولا أين، ولا متى، ولا لماذا تم الإقرار بصحتها. الحقيقة الوحيدة القابلة للتصديق هى، أن لا أحد يعرف على وجه اليقين، كم كان عمرها الحقيقى. ومع ذلك، يتم التعامل مع هذه الروايات اليوم كأنها حقيقة رياضية مثبتة علميًا، بل ويتم تخوين وأحيانًا تكفير كل من يذكر أننا نتحدث عن تراث ظنى، لا عن و...

الأقرب إلى الحقيقة، أصحاب العقائد

فى بعض الأحيان، ولا سيما أوقات الأعياد الدينية، تثار مسألة مصير أصحاب العقائد المختلفة من خلال أحكام عامة لا تميز بين اختلاف أحوال الناس، فتساوى بين من اعتنق عقيدة ما عن وعى واختيار، وبين من ولد داخل تلك العقيدة وتشربها بوصفها جزءًا من بيئته وثقافته، دون بحث أو قدرة حقيقية على المراجعة. غير أن النص القرآنى يقدم لنا تصورًا مختلفًا للمسؤولية عن ذلك، تصور يرتكز على العلم والنية والقدرة، وليس على الانتماء الشكلى.  فالقرآن يفرق بوضوح بين من يجهل بحكم البيئة أو العجز، وبين من يعلم ويصر على موقفه استكبارًا ورفضا للحق.  إذن فالمسؤولية الأخلاقية فى القرآن تقوم على الوعى والقدرة على الاستيعاب وعلى القصد، وليست على الوراثة. فلا عذاب قبل البيان، "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا"، ولا تكليف خارج القدرة، "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"، ذلك مع إدانة واضحة للرفض الواعى المتعمد، "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم". وهكذا يتضح لنا أن الخطأ العقائدى لا يتم قياسه بذاته فقط، بل يقاس بظروف صاحبه، ومدى وعيه، وصدق سعيه. من هذا المنطلق يمكن فهم الآيات التى تنتقد تصورات عقائدية بعينها ع...

"الأقرب إلى الحقيقة"، من بدل دينه . .

«من بدل دينه فاقتلوه» عبارة تحمل فى طياتها إشكالية عميقة، ليس فى الدين ذاته، وإنما فى طريقة فهم البعض للدين. فالقرآن، وهو النص الوحيد الذى وصلنا بالتواتر القطعى، لا يترك مجالًا للشك فى أن الإيمان هو فعل حر، لا يمكن أن ينتج عن إكراه. "لا إكراه فى الدين" ليست آية ظرفية، بل هى مبدأ تأسيسى. وحين يقول: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، فإنه لا يمنح الإنسان خيارًا شكليًا، بل يعترف له بأهلية الاختيار بوصفها شرط التكليف ذاته. أما السؤال القرآنى: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، فيفكك من الأساس فكرة الوصاية على دواخل الإنسان، ويعيد الدين إلى دوره الطبيعى، الإقناع لا الإخضاع. بل إن القرآن يذكر الانتقال المتكرر بين الإيمان والكفر دون أى عقوبة دنيوية، مما يؤكد أن الحساب هنا مؤجل ويعود مرجعه إلى الله. "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا".  هذه الآية بالذات تقطع بأن تغيير الاعتقاد، ولو تكرر، لم يقترن بأى عقوبة دنيوية. ومن الزاوية العقلانية، لا يستقيم أن يتم معاقبة الإنسان على أى قناعة داخلية، فالقناعة لا تنتج بالإكراه، ولا تتغير بالتهديد.  القتل قد يف...

الأقرب إلى الحقيقة (١)

  يميل كثيرون، بحكم التأثر بالتراث الدينى السابق، إلى تصور طوفان نوح باعتباره كارثة كونية أغرقت الأرض كلها وأفنت البشر جميعًا. غير أن القراءة المتأنية للنص القرآنى تعطى انطباعًا مختلفًا. فالقرآن يربط الطوفان بقوم نوح تحديدًا، دون أن يصرح أبدًا بأن البشرية كلها قد أُبيدت، أو أن الأرض خلت من البشر، أو أن نوح هو الأب الثانى للإنسانية. العقوبة إذن فى القرآن لها طابع أخلاقى محدد النطاق. "مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا". كما أن فرضية اندثار البشر أو الكائنات الحية كافة نتيجة طوفان كونى لم يتم إثباتها علميًا، بل على العكس، تشير الأدلة الأثرية والجيولوجية إلى استمرارية الحضارات البشرية وتزامنها دون انقطاع شامل فى فترات يفترض أنها شهدت مثل هذا الطوفان. وهو ما يجعل القصة القرآنية أكثر انسجامًا مع التاريخ البشرى المعروف، دون الحاجة إلى افتراض انقطاع حضارى شامل أو كارثة جيولوجية عالمية لم يتم اثبات حدوثها على الإطلاق. رسالة القرآن هنا هى إعادة صياغة القصة أخلاقيًا  باعتبارها رسالة، إنذار، ثم عقوبة محددة لقوم بعينهم. وليست أسطورة كونية.