المشاركات

من السبى البابلى إلى الصهيونية الحديثة: قراءة فى التاريخ اليهودى.

صورة
 إذا تابعت ما تقوله نشرات الأخبار فى الغرب، والبودكستات الغربية ستلاحظ خطاباً يركز على ذاكرة توراتية. فيتم استخدام تعبيرات من قبيل، «الهيكل الثانى»، «العودة بعد ألفى عام»، «أرض الميعاد»… وغيرها.  وعلينا عند الاصطدام بمثل تلك التعبيرات أن نفرق ما بين التاريخ بوصفه مجالاً نقديًا قابلًا للدراسة والتدقيق، وما بين السرديات بوصفها أداة سياسية أو تعبيراً عن الهوية. فالفرق ما بين الأمرين شاسع للغاية.  سنحاول هنا ان نقوم بعملية تفكيك للتاريخ التوراتى، ونحاول فهم مصطلحات من قبيل (السبى البابلى، الهيكل الثانى، تشكيل اليهودية الرابانية، ثم الحداثة والصهيونية)،  قد يوضح ذلك الكيفية التى تُستخدم بها مثل هذه الذاكرة لتبرير الاستيطان غير الشرعى والعقاب الجماعى والمذابح والحصار على المدنيين — وهى الممارسات التى يَحظُرها صراحة القانون الدولى الإنسانى، مثل اتفاقية جنيف الرابعة، وقرارات مجلس الأمن؛ ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وحظر التجويع والقانون الدولى العرفى. وقبل أن نبدأ فى رسم الخط الزمنى للسردية اليهودية، علينا تقديم تعريفات للمصادر التى تقوم عليها هذه السردية، مثل "التنا...

ما هو "الإسلام التقدمى" "Progressive Islam":

صورة
هناك لحظات فى التاريخ الانسانى تتصارع فيها التساؤلات، ليس كشبهة تخلى عن الموروث، بل كنداء لفهم أعمق لحقيقة الأمور. من هنا كانت الحاجة ملحة للتساؤل حول كيفية إعادة الدين لروحه الحقة؟ كيف نمنع إستخدامه كسيف على رقاب الناس، وهو الذى اقر فى كتابه العزيز أنه نزل "رحمة للعالمين"؟ حمل اصحاب الفكر الحر تلك التساؤلات فى كتبهم وداخل صدورهم، وولد منها ما يمكن أن نسميه اليوم: "الإسلام التقدمى". مابين "المعتزلة" وظلال الحاضر: "الإسلام التقدمى" ليس كما قد يعتقد البعض بدعةً حديثة، بل أن جذوره ضاربة فى القدم، فى فكر "المعتزلة"، أولئك الذين نادوا فى عصور ساد فيها الجمود، بأن العقل ليس خصمًا للوحى، بل هو مرآته الحقيقية. قالوا إن الله لا يظلم، لأنه حكيم، وإن الإنسان حرّ، لأنه مسؤول. لم يكن قولهم هذا نوع من التمرّد،  ولكنه كان فهما عميقا للمعنى الحقيقى للنص: أن الله عادل، لا يضع عبده موضع العجز ثم يحاسبه، وأن الخير والشر يتم إدراكهم بالفطرة السليمة، وليس فقط بالمرويات. ولكن تم إسكات أصواتهم تحت وطأة القمع، إلا أن كلماتهم بقيت تتردد فى قلوب كل من رفض أن يكو...

صرخات وهمسات: مذكرات "آنا فرانكو"

صورة
عن نيويوركر  ٥ نوفمبر ٢٠٢٤ اليوم كان صعب جداً. "بابا" أخبرنا أنه يجب علينا مغادرة منزلنا بحلول ٢٠ يناير والاختباء لأن السيد "ترامب" تم انتخابه رئيسًا. قال إن "ترامب" سيُرحّلنا إلى "السلفادور"، وإن بابا قد يُسجن. واضاف إن هناك رجلًا سيئًا للغاية يقف وراء كل هذا - السيد "ستيفن ميلر". أختى "ماريا" شرحت الأمر لى، إنه يكره المهاجرين لأنه أصلع ولم يحصل على صديقة حتى بلغ الثلاثين. قلت لها إن هذا ليس ذنبنا. طيب لماذا لا يكره النساء بدلًا من ذلك؟ أوضحت إنه يكره الجميع. حتى الكلاب. ١٤ ديسمبر ٢٠٢٤ بابا قال إنه وجد لنا ملجأً. إنه فى حى راقى فى "لوس أنجلوس"، وسننتقل إليه خلال شهر تقريبًا. المنزل ملكٌ لفنان كوميدى كان والدى يعمل لديه كبستانى. اسمه السيد "لارى". وبما أنى لم أقابل فنان كوميدى من قبل. بدأت أتساءل إذا كانوا دائمًا مُضحكين. ٢٠ يناير ٢٠٢٥ وجدت الإجابة، ليسوا كذلك. استقبلنا السيد "لارى" عند الباب الأمامى واصطحبنا إلى الدور العلوى، وهو مكان جميل جدًا باستثناء صور لاعبى البيسبول المُعلقة على الجدران. تس...

"غزة": جريمة القرن التى رأتها الإنسانية بأعين مفتوحة.

صورة
(مقال تمت كتابته عام 2105 بعد 80 عام من الآن) فى مطلع القرن الحادى والعشرين، حين كان العالم يتسابق نحو الذكاء الصناعى، ويغزو المريخ بالمجسات والأقمار، ويصنع طائرات بدون طيار، ويستنسخ الأعضاء البشرية، كانت هناك بقعة صغيرة على الأرض تعود إلى عصورٍ لم يعد أحد يتحدث عنها إلا فى كتب المآسى. "غزة". قطاع محاصر، ضيق المساحة، مكتظ بالبشر، يخنقه الحصار منذ سنوات طويلة. بدأت القصة قديمًا، منذ الاحتلال والتهجير فى منتصف القرن العشرين، لكنها وصلت إلى ذروتها بعد أكتوبر 2023، حين قررت إسرائيل تنفيذ حصار كامل، وقطع الماء والكهرباء عن مليونى إنسان.  كان عام 2023  عامًا فاصلًا. كانت الإنسانية ترتكب جريمة لم تعرف مثلها فى وضوحها وعلنيتها. كانت الجريمة تبث مباشرة على الهواء. لم تكن هناك أسرار. كل شىء كان موثقًا بالصوت والصورة. أطفال تحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية من شدة الجوع. مرضى يموتون لأن الدواء لا يصل. مدنيون  يُقصفون فى مخيمات اللاجئين، بلا مكان يهربون إليه. بدءاً من ذلك العام، قررت القوى المسيطرة أن تُنفّذ عملية إبادة ببطء. ليس بالضربة القاضية، بل بالخنق التدريجى. بدأ الأمر تحت شعار "...

"مصر" وسد النهضة: أزمة وجود لا تقبل التفاوض أو المقايضة

صورة
منذ آلاف السنين، ارتبطت حياة المصريين بنهر النيل. هذا النهر لم يكن مجرد مجرى مائى، بل شريان حياة صنع الحضارة المصرية. لكن فى العقود الأخيرة، أصبحت المياه مصدرًا للصراع.  وتمثلت أخطر الأزمات فى سد النهضة الإثيوبى، هذا المشروع الضخم الذى بدأته إثيوبيا عام 2011 على النيل الأزرق، الرافد الرئيسى لنهر النيل. إنه أكبر سد فى "إفريقيا"، ويصل ارتفاعه إلى 145 مترًا، وتبلغ سعته التخزينية حوالى 74 مليار متر مكعب، ما يعادل تقريبًا كامل الحصة السنوية لمصر من المياه، التى تبلغ 55.5 مليار متر مكعب. المشكلة الأساسية لا تكمن فقط فى بناء السد؛ لكن فى طريقة إدارته، خاصة فى ظل غياب اتفاق قانونى ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، وهو ما يعرض "مصر" لخطر شديد. تتضمن التأثيرات السلبية على "مصر" نقصاً هائلاً فى المياه، حيث أن "مصر" تعتمد بنسبة تفوق 95% على مياه النيل. وبالتالى فإن أى تقليص فى تدفق المياه سيؤدى إلى نقص حاد فى المياه المستخدمة للزراعة، والصناعة، والاستهلاك اليومى. وإذا ما تم ملء السد بشكل أحادى دون تنسيق، فهناك احتمال لفقدان ملايين الأفدنة الزراعية داخل "مصر...

هل نظام "عبد الفتاح السيسى" قابل للاستمرار؟

صورة
لكى نجيب على هذا السؤال علينا أن نناقش عوامل الاستقرار التى قد تؤدى الى إستمرار النظام، والعوامل التى قد تقوض ذلك. أولا, عوامل الاستمرار : • الدعم الإقليمى والدولى، فالسيسى يحظى بدعم قوى من دول الخليج (خاصة السعودية والإمارات) والغرب (لاعتبارات تتعلق بالاستقرار والهجرة ومكافحة الإرهاب). • السيطرة الأمنية المحكمة، فالنظام يسيطر على أجهزة الدولة العميقة (الجيش، الشرطة، المخابرات، القضاء، الإعلام). • تفتيت المجال العام، لقد تم قمع المعارضة السياسية بصرامة، وتدمير الأحزاب والحركات المستقلة. • الخطاب الوطنى الشعبوى الذى يستخدم خطابًا يرتكز على فكرة "النجاة من الفوضى" و"الحفاظ على الدولة". ثانياً، العوامل التى قد تقوّض هذا الاستمرار: • الأزمة الاقتصادية الخانقة التى تعيشها البلاد، حيث بلغت مستويات التضخم نسب غير مسبوقة. مع تراكم لديون خارجية وداخلية ضخمة، والفشل فى تحقيق أى وعود اقتصادية ملموسة. • تآكل الشرعية الشعبية للسيسى الذى لم يعد يتمتع بالتأييد الشعبى الذى تمتع به فى بداياته، بل هناك غضب مكبوت واضح. • الاعتماد المفرط على القمع، الذى لا ينتج الاستقرار طويل الأمد، بل...

"العدالة"

صورة
ما العدالة؟ إنه سؤال قديم قِدَم الفكر الإنسانى. سؤال شغل فكر الفلاسفة والشعراء والادباء والمشرّعين، واعتبرته البشرية خليط ما بين الحلم والحق والأمل المنشود.  العدالة ليست مجرد قاعدة قانونية، ولا سلوكًا مثالياً، بل هى فكرة ميتافيزيقية تلامس جوهر الإنسان وتطلعه إلى نظام يتجاوز الفوضى والعبث. منذ أن تساءل "أفلاطون" فى "الجمهورية" عن معنى العدالة بالنسبة للفرد والدولة، والجهود مستمرة لفهم هذه القيمة الغامضة، التى ما نكاد نظن أننا أدركناها حتى نجدها قد فلتت من بين أيدينا كالماء. ولعلّ ما يجعلها صعبة التحديد هو كونها تتقاطع مع الأخلاق، والسياسة، والدين، والاقتصاد، بل وحتى مع الطبيعة البشرية نفسها. سأحاول هنا تتبع خيوط هذا المفهوم المعقد، من جذوره الأولى فى الفكر القديم، إلى تجلياته الحديثة، مع إطلالة على الفرق بين العدالة والمساواة. سنستطلع رؤى الفلاسفة والأنبياء، لنصل إلى سؤال هام: هل يمكن للعدالة أن تتحقق حقًا، أم أنها مجرّد فكرة نبيلة نحملها كمن يحمل البوصلة فى صحراء لا توجد بها طرق من الأساس. لعل فكرة العدالة فى الوعى الإنسانى قد بدأت بوصفها مرادفًا للانتظام الموجود ف...