هل الأخلاق حكر على المؤمنين؟

 إسلام تقدمى "المقال الثالث"
استعادة العقل والإنسان والقرآن

هل الأخلاق حكر على المؤمنين؟


المبدأ المؤسس
لا احتكار للحقيقة، ولا قداسة لتفسير بشرى، ولا تعارض مفتعل بين الإيمان والعقل، ولا عبادة تنفصل عن العدل والرحمة وكرامة الإنسان.

هل يحتاج الإنسان إلى الإيمان بالله حتى يكون إنسانا صالحا؟ وهل يستطيع غير المؤمن أن يعرف معنى الخير والشر، وأن يشعر بالرحمة تجاه الآخرين، وأن يضحى من أجل إنسان لا يعرفه، دون أن ينتظر مكافأة أو يخشى عقابا؟
قد تبدو هذه الأسئلة للبعض غريبة، وربما يراها آخرون غير ضرورية، باعتبار أن الأخلاق جزء من الدين، وأن الأديان هى التى علمت الإنسان كيف يميز بين الخير والشر.
لكن هل هذا صحيح بالفعل؟ وهل بدأت الأخلاق مع ظهور الأديان، أم أن الإنسان كان يحمل فى داخله استعدادا أخلاقيا أقدم بكثير من ظهورها؟
أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر فى هذه المسألة، بعيدا عن المسلمات الموروثة، وبالاستعانة بما تم كشفه عن الطبيعة الإنسانية وتطور الإنسان.

أولا، هل سبقت الأخلاق الأديان؟:
عندما ننظر إلى الإنسان فى رحلته الطويلة، نجد أن حياته لم تكن ممكنة دون التعاون والتضامن والرعاية وحماية الضعفاء. فالإنسان لم يتطور بوصفه كائنا منعزلا، بل بوصفه كائنا اجتماعيا يعتمد بقاؤه على الآخرين.
الأم التى ترعى طفلها، والإنسان الذى يساعد اصدقاءه، والجماعات التى تتعاون فى مواجهة الأخطار التى تهدد بقاءها، لم تكن تحتاج إلى نص دينى حتى تدرك أهمية هذه الأفعال.
لقد كان التعاون والتعاطف والقدرة على فهم احتياجات الآخرين من العوامل التى ساعدت البشرية على البقاء، وأسهمت فى نجاح الإنسان وتطوره.
فالإنسان الذى يستطيع أن يتعاون مع الآخرين، وأن يثق بهم، وأن يتبادل معهم الحماية والمساعدة، يمتلك فرصا أكبر للبقاء من إنسان يعيش فى صراع دائم مع كل من حوله.
وقد لا يعنى هذا بالضرورة أن الإنسان كائن خير بطبيعته. فالطبيعة الإنسانية تحمل إمكانات متعارضة، التعاطف والأنانية، التعاون والعدوان، التضحية والاستغلال. لكن المهم هو أن الاستعداد للتعاطف ومساعدة الآخرين ليس اختراعا دينيا، بل له جذور عميقة فى تاريخنا البيولوجى والاجتماعى.

وربما كان من الأدق أن نقول إن الطبيعة منحت الإنسان استعدادا أخلاقيا، ثم جاءت التربية والثقافة والعقل والتجربة لتشكل هذا الاستعداد وتوسع من مداه.

ثانيا، هل التعاطف الإنسانى جزء من طبيعتنا؟
هناك أمر يستحق منا التأمل... لماذا نشعر بالسعادة عندما نساعد الآخرين؟
لماذا يشعر الإنسان براحة داخلية عميقة عندما يخفف معاناة إنسان غريب، أو يقدم مساعدة لشخص لن يراه مرة أخرى؟
لماذا يتأثر كثيرون بمشهد طفل يتألم، أو إنسان فقد منزله، أو شخص عاجز يحتاج إلى المساعدة، حتى لو لم تكن بينهم أى علاقة أو مصلحة؟
تناولت دراسات عديدة هذه الظاهرة، وأظهرت أن مساعدة الآخرين والقيام بأفعال لطيفة ترتبط غالبا بارتفاع فى مستوى السعادة والرضا النفسى والشعور بمعنى الحياة.
ووجدت أبحاث أخرى أن إنفاق المال على الآخرين قد يمنح صاحبه شعورا بالسعادة أكبر من إنفاقه على نفسه فى بعض الظروف، كما أظهرت الدراسات وجود ارتباط إيجابى بين مساعدة الآخرين والاشباع النفسى.
ولا يعنى ذلك أن كل أعمال الخير تمنح صاحبها السعادة، أو أن الإنسان عندما يقوم بمساعده الآخرين، هو فقط يفعل ذلك بحثا عن شعور إيجابى. 
لكن مثل هذه النتائج تجعلنا نعتقد أن التعاطف ربما لا يكون مجرد واجب نتعلمه من الخارج، بل استجابة إنسانية يجد الإنسان فى ممارستها معنى ورضا داخليا.
وهنا يجب أن نفرق بين أن نشعر بالسعادة بعد فعل الخير، وأن يكون هدفنا من فعل الخير هو الحصول على هذه السعادة.
فقد يساعد الإنسان غيره لأنه يتألم لمعاناته، لا لأنه يفكر فى المكافأة التى سيحصل عليها. وقد تكون السعادة التى يشعر بها بعد ذلك نتيجة طبيعية لتصرفه وفقا لما يمليه عليه ضميره.

إننا لا نحتاج دائما إلى حساب المكاسب حتى نعرف أن مساعدة إنسان يتألم أمر يستحق أن نفعله.

ثالثا، الحضارة والأخلاق.. "ماعت" و"اليابان" كمثال:
إذا كانت الأخلاق لا تبدأ مع الأديان السماوية، فهل يمكن أن نجد لها جذورا واضحة فى حضارات لم تعرف هذه الأديان؟
تقدم لنا الحضارة المصرية القديمة مثالا بالغ الأهمية.
فالمصريون القدماء كانت لديهم منظومة دينية واسعة، متعددة الآلهة، لكنها عرفت أيضا تصورا أخلاقيا واجتماعيا عميقا تجسد فى مفهوم "ماعت"، الذى ارتبط بالحق والعدل والصدق والتوازن والنظام.
لم يكن العدل مجرد طقس دينى، بل كان أساسا ضروريا لاستقرار المجتمع والحياة. وكان تصور الإنسان الصالح مرتبطا بالصدق، وعدم الظلم، واحترام الآخرين، والقيام بالمسؤولية.
وفى نصوص الحكمة المصرية القديمة نجد دعوات واضحة إلى الرحمة وضبط النفس والإنصاف، وإلى عدم استغلال الضعيف أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
وهنا لا أريد أن أقدم الحضارة المصرية القديمة باعتبارها حضارة بلا دين، فهذا غير صحيح تاريخيا. لكننى أريد أن ألفت النظر إلى أن التجربة الأخلاقية للإنسان أوسع من أى دين بعينه، وأن المجتمعات القديمة استطاعت أن تطور تصورات للعدل والمسؤولية الإنسانية فى سياقاتها التاريخية والثقافية الخاصة.
وتقدم لنا اليابان الحديثة مثالا مختلفا.
فالمجتمع اليابانى يتسم فى جوانب كثيرة بالانضباط واحترام النظام العام والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. 
ولا يمكن تفسير هذه السلوكيات بمجرد الاعتقاد الدينى، فرغم أن اليابان تأثرت تاريخيا بالشنتوية والبوذية والكونفوشيوسية، إلا اننا لا نستطيع توصيفها بانها مجتمع يعتنق دين سماوى محدد.
ولكن هناك عوامل أخرى شديدة الأهمية، ساهمت فى هذه الظاهرة مثل التربية، والتعليم، والثقافة الاجتماعية، والشعور بالانتماء، واحترام المجال المشترك، والمؤسسات التى تنظم الحياة.
ولا يعنى ذلك أن المجتمع اليابانى يخلو من المشكلات الأخلاقية أو الاجتماعية، ولا أنه نموذج كامل. لكن وجود منظومة واسعة من السلوكيات الإيجابية فى مجتمع لا يشكل الانتماء الدينى التقليدى فيه أساسا وحيدا للحياة العامة، يؤكد أن الأخلاق لا يمكن اختزالها فى التدين.

إن الإنسان يستطيع أن يتعلم احترام الآخرين، وأن يلتزم بالقانون، وأن يشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع، وأن يمارس التضامن، من خلال خبرته الإنسانية والاجتماعية أيضا.

رابعا، هل نحتاج إلى الدين حتى نتعرف على الخير؟:
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
هناك تصور شائع فى بعض الخطابات الدينية يقول إن الإنسان إذا لم يؤمن بالله ولم يخشى من العقاب فى الآخرة، فلن يكون لديه سبب حقيقى يمنعه من ارتكاب الشر.
لكن هذا التصور يثير سؤالا هاما، هل نحتاج بالفعل إلى التهديد بالعقاب حتى لا نؤذى الآخرين؟ وهل لا نستطيع أن ندرك قبح الظلم إلا إذا أخبرنا نص دينى بذلك؟
تخيل إنسانا يرى طفلا يغرق، فيقفز إلى الماء لإنقاذه، مع علمه بأنه قد يعرض حياته للخطر. هل يحتاج فى تلك اللحظة إلى التفكير فى الثواب والعقاب؟ أم أن استجابته الإنسانية لمعاناة الطفل تسبقه إلى الفعل؟
وتخيل شخصا يرفض أن يسرق مالا لا يستطيع أحد اكتشاف سرقته. هل يمتنع خوفا من العقوبة، أم لأنه يرى أن السرقة اعتداء على حق إنسان آخر؟
بالطبع، قد تجتمع الدوافع. فهناك مؤمن يفعل الخير حبا فى الله، ورجاء لثوابه، وشعورا بالمسؤولية تجاه الآخرين فى الوقت نفسه. ولا ينبغى أن ننكر قيمة هذا الدافع أو نختزل تدين الناس فيه.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتصور أن الثواب والعقاب هما الأساس الوحيد للأخلاق، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون صالحا من دونهما.
فإذا كان الإنسان لا يفعل الخير إلا خوفا من العقاب أو طمعا فى المكافأة، فهل نتحدث هنا عن فضيلة نابعة من الضمير، أم عن حساب دقيق للمصلحة؟
إن هناك فارقا بين إنسان يمتنع عن الظلم لأنه يخشى العقوبة، وإنسان يمتنع عنه لأنه يدرك أن الظلم قبيح، وأن الإنسان الآخر له حق لا يجوز الاعتداء عليه.
قد يتفق الاثنان فى السلوك الظاهر، لكنهما لا ينطلقان بالضرورة من المنطلق الأخلاقى نفسه.

والفضيلة فى أعمق معانيها ليست مجرد الامتناع عن فعل الشر، بل أن يصبح الخير جزءا من تكوين الإنسان، وأن تتحول الرحمة والعدل والإنصاف إلى استجابات أصيلة فى علاقته بالآخرين.

خامسا، المعتزلة والعقل الأخلاقى:
من المثير للاهتمام أن هذا السؤال لم يكن غائبا عن الفكر الإسلامى القديم.
فقد ناقش المعتزلة، فى إطار حديثهم عن العدل الإلهى، مسألة الحسن والقبح العقليين. ورأوا أن العقل يستطيع إدراك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، وأن هناك أفعالا يدرك الإنسان قبحها بالعقل، كالظلم والكذب والاعتداء، وأفعالا يدرك حسنها، كالعدل والصدق والإحسان.
ولم تكن هذه المسألة تفصيلا فلسفيا هامشيا، بل ارتبطت بفهمهم للعدل الإلهى. فإذا كان العقل الإنسانى قادرا على إدراك قبح الظلم وحسن العدل، فإن هذه القيم ليست مجرد أحكام تتحدد وفقا للأوامر والنواهى، بل لها أساس أخلاقى يدركه العقل. ومن هنا أكد المعتزلة أن الله عادل ومنزه عن الظلم، لا لأن الظلم يصبح حسنا أو يفقد قبحه بحكم صدوره عن فاعل معين، بل لأن العدل قيمة أصيلة، والظلم قبيح فى ذاته.
وهنا نكتشف أن الدفاع عن قدرة الإنسان على إدراك الخير والشر ليس غريبا عن تاريخ الفكر الإسلامى، بل له جذور عميقة فى أحد أهم تياراته العقلانية.
ويمكن أن نذهب خطوة أبعد، إذا كان الله قد منح الإنسان عقلا وضميرا، فلماذا نفترض أن عليه تعطيلهما حتى يعرف معنى الخير؟

أليس من الممكن أن يكون العقل الأخلاقى نفسه جزءا من الهبة الإلهية للإنسان؟

سادسا، ماذا يقول القرآن؟:
لا أرى أن علينا أن نضع القرآن فى مواجهة هذه الرؤية الإنسانية، أو أن نتصور أن الاعتراف بجذور الأخلاق الطبيعية ينتقص من قيمة الدين.
على العكس، يمكننا أن نقرأ القرآن من زاوية أوسع، وأن نتأمل كيف يربط بين الإيمان والسلوك الإنسانى.
يقول القرآن:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ (النحل: 90).
ويقول:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ... وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ...﴾ (البقرة: 177).
ويقول:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7-8)
ويقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).
هذه الآيات تضع العدل والإحسان والبر فى قلب الخطاب القرآنى، ولا تجعل قيمة الإنسان متوقفة على مظهره أو على ادعائه التدين.
والآية الأخيرة على وجه الخصوص تستحق التأمل، فالقرآن يطالب الإنسان بالعدل حتى مع من يكرههم أو يختلف معهم. أى إنه لا يجعل الأخلاق رهينة المشاعر أو الانتماءات الضيقة.
كما أن آية البر فى سورة البقرة لا تكتفى بالحديث عن الاعتقاد والعبادة، بل تربط البر بالعطاء والوفاء والصبر ومساعدة المحتاجين.
إننا أمام تصور أخلاقى يتجاوز الطقوس والمظاهر إلى علاقة الإنسان بالإنسان.

لكننى لا أريد أن أحمل هذه الآيات أكثر مما تحتمل، أو أن أزعم أنها تحسم وحدها كل الأسئلة الفلسفية حول مصدر الأخلاق. ما أريد قوله هو أن القرآن يمنحنا أساسا قويا لرفض اختزال الدين فى الشعائر، وللتأكيد أن العدل والإحسان والمسؤولية ليست أمورا هامشية فى حياة المؤمن.

سابعا، هل يمكن أن يتحول التدين إلى بديل عن الأخلاق؟:
هنا نصل إلى مشكلة تستحق مواجهة صريحة.
قد ينشغل الإنسان بتفاصيل كثيرة تتعلق بمظاهر التدين، وبما يعتقد أنه يزيد رصيده من الحسنات أو يجنبه السيئات، بينما لا يمنح السلوك الإنسانى اليومى الاهتمام نفسه.
وقد يحدث أن تصبح العبادة، فى بعض صور التدين، مجموعة من الأفعال التى يؤديها الإنسان باعتبارها التزامات منفصلة، دون أن تنعكس بالقدر الكافى على علاقته بالآخرين.
لكن الصلاة التى لا تجعل صاحبها أكثر إحساسا بمعاناة الناس، والصوم الذى لا يوقظ فيه معنى الرحمة، والتدين الذى لا يردع صاحبه عن الظلم والإهانة، كلها أمور تدعونا إلى مراجعة فهمنا للفضيلة والعبادة.
ولا أقصد بذلك أن كل عبادة يجب أن تقاس بنتيجة اجتماعية مباشرة، أو أن كل من يحرص على الثواب يفتقر إلى الرحمة. فالدوافع الإنسانية مركبة، ولا يجوز أن نحكم على ضمائر الناس.
إنما أقصد أن التدين لا ينبغى أن يتحول إلى بديل عن الحس الأخلاقى، ولا أن تصبح كثرة الشعائر مبررا لتجاهل حقوق الآخرين.
فالإنسان الذى يلتزم بكل ما يراه واجبا دينيا، لكنه يظلم العامل الذى يعمل لديه، أو يهين المختلف معه، أو يستغل حاجة الفقير، أو يبرر القسوة باسم العقيدة، يحتاج إلى أن يسأل نفسه عن المسافة بين عبادته وسلوكه.

ولعل السؤال الأهم ليس كم مرة فعلنا الخير، بل هل أصبحنا أكثر قدرة على الشعور بالآخرين؟

ثامنا، الأخلاق ليست ملكا لأحد:
إن القول بأن الأخلاق لها جذور فى الطبيعة الإنسانية لا يعنى أن الإنسان يولد وهو يعرف كل القيم، أو أن المجتمع لا يحتاج إلى التربية والتعليم والقانون، أو أن البشر يتفقون تلقائيا على كل ما هو خير وشر.
فالاستعداد للتعاطف لا يمنع الإنسان من الأنانية، والشعور بالانتماء قد يتحول إلى تعصب ضد الآخرين، والتعاون داخل الجماعة قد يصاحبه عداء تجاه جماعات أخرى.
ولهذا تحتاج الأخلاق إلى العقل والنقد والتجربة والتطور الحضارى. 
نحتاج إلى أن نوسع دائرة تعاطفنا، وأن نتعلم رؤية الإنسان خارج حدود الدين والعرق والوطن والطبقة الاجتماعية.
وقد تكون هذه واحدة من أعظم المهام الأخلاقية للحضارة، أن تجعل الإنسان أكثر قدرة على احترام إنسانية من يختلف معه.
إن الأخلاق لا تصبح أرقى لمجرد أنها ارتبطت بمعتقد دينى، ولا تصبح أقل قيمة لأنها صدرت عن إنسان لا يؤمن بدين.
قد يكون المؤمن رحيما وعادلا وصادقا، وقد يكون غير المؤمن كذلك. وقد يكون الاثنان على النقيض من ذلك. فالمعيار الحقيقى هو ما يفعله الإنسان، وكيف يعامل الآخرين، ومدى احترامه لكرامتهم وحقوقهم.
لا أرى فى ذلك انتقاصا من الإيمان، بل أراه تحريرا للأخلاق من الاحتكار.

فالإيمان قد يمنح الإنسان معنى روحيا للخير، وقد يدفعه إلى مزيد من العطاء والتضحية. لكنه لا يستطيع أن يدعى لنفسه ملكية الضمير الإنسانى، ولا أن ينكر على غير المؤمن قدرته على التمييز بين العدل والظلم.

الخاتمة: 
ربما كان علينا أن نعيد ترتيب أسئلتنا.
بدلا من أن نسأل أولا ما الدين الذى يؤمن به هذا الإنسان؟ يمكننا أن نسأل كيف يعامل الآخرين؟ هل يحترم حقوقهم؟ هل يشعر بمعاناتهم؟ هل يكون عادل من يختلف معه؟ هل يستطيع أن يفعل الخير حتى عندما لا ينتظر منه مكافأة أو منفعة؟
فالطفل الذى يحتاج إلى الرعاية لا يهتم بدين أو عقيدة من يساعده. والإنسان الذى يواجه كارثة لن تصبح معاناته أقل لأن من يمد إليه يده يختلف معه فى الدين. والفقير لا يحتاج إلى معرفة مذهب من يقدم له الطعام، بل يحتاج إلى من يراه إنسانا يستحق الحياة الكريمة.
إننا نملك تاريخا طويلا من الاختلافات العقائدية، لكننا نتشارك الطبيعة الإنسانية ذاتها، بما تحمله من استعداد للحب والرحمة والتعاون، وبما تحمله أيضا من قابلية للأنانية والعنف والظلم.
وربما كان الإيمان أحد الطرق التى يحاول بها الإنسان أن يفهم وجوده، وأن يمنح حياته معنى أعمق. 
لكن الأخلاق ليست مجرد نتيجة جانبية لهذا البحث الروحى، ولا هى امتياز تمنحه عقيدة لأتباعها.
إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون مؤمنا حتى يستحق الاحترام، ولا يحتاج إلى فقط نيل الثواب حتى يكون رحيما.
وربما تكون أعمق صور التدين أن يصبح الإنسان أكثر إنسانية، لا أن ينشغل بإثبات تفوقه على الآخرين فى الإيمان.
فما قيمة أن نعرف الكثير عن الله، إذا لم نتعلم كيف نكون أكثر عدلا ورحمة مع خلقه؟
وهل يمكن أن تكون العبادة قد أدت غايتها إذا خرج الإنسان منها كما دخل لا يشعر بآلام الآخرين، ولا يرى فى كرامتهم قيمة تستحق الحماية؟
الأخلاق ليست حكرًا على المؤمنين، والإنسانية ليست مذهبا دينيا. إنها المساحة المشتركة التى تجمعنا، قبل أن نختلف فى كل ما عداها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أفتقدك - "بقلم: حازم فرجانى"

مـن الذى يحكــم مصــر الأن؟الجزء الثالث

!من يعتـذر لمــن