إسلام تقدمى
إسلام تقدمى
استعادة العقل والإنسان والقرآن
المبدأ المؤسس
لا احتكار للحقيقة، ولا قداسة لتفسير بشرى، ولا تعارض مفتعل بين الإيمان والعقل، ولا عبادة تنفصل عن العدل والرحمة وكرامة الإنسان.
لماذا خلق الله الإنسان؟
بين العبادة والاستخلاف والعقل والأخلاق
مقدمة:
من يملك حق تعريف الإسلام؟
هذه المقالة هى بداية سلسلة فكرية بعنوان "إسلام تقدمى"، لا تستهدف تقديم مذهب دينى جديد، ولا تدعى امتلاك الحقيقة أو احتكار التفسير الصحيح للقرآن. وإنما تسعى إلى الإسهام فى إرساء مبادئ خطاب إسلامى عقلانى وإنسانى، يستعيد مكانة العقل والعدل والحرية والكرامة الإنسانية فى فهم الدين.
إننا نرى أن الإسلام أوسع من أن يتم اختزاله فى تفسير جماعة أو مدرسة، وأن القرآن أكبر من أن يتم احتكار فهمه بواسطة اجتهادات بشرية يتم رفعها إلى مرتبة التقدييس.
ومن ثم، فإن هذه السلسلة لن تتردد فى نقد الأفكار السلفية والمتشددة ومناقشة تناقضاتها، لكنها لن تكتفى بالنقد والهدم، بل ستعمل على تقديم رؤية بديلة تستلهم القيم القرآنية والتراث الإسلامى العقلانى، وتنفتح على المعرفة الإنسانية المعاصرة.
ولعل السؤال الذى نبدأ به ليس سؤالا عابرا فى العقيدة، بل سؤال يمس جوهر الوجود الإنسانى وعلاقته بالخالق، لماذا خلق الله الإنسان؟
فى الخطاب الإسلامى السلفى الشائع، تأتى الإجابة جاهزة ومختصرة.. خلق الله الإنسان لعبادته، استنادا إلى قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
ولا يوجد خلاف على أن الآية تقرر غاية تتعلق بالعبادة، لكن الخلاف يبدأ حينما تنتزع من سياقها القرآنى الأوسع، وتتحول إلى إجابة وحيدة ونهائية عن سؤال الخلق، ثم يختزل معنى العبادة فى أداء الشعائر والطقوس، وكأن الإنسان لم يخلق إلا ليصلى ويصوم، وأن كل ما عدا ذلك من معرفة وإبداع وعمل وعلاقات إنسانية ليس سوى انشغال عن الغاية الحقيقية لوجوده.
هذه ليست قراءة شاملة للقرآن، بل اختزال له. والأخطر أنها تفتح الباب أمام تصور ضيق للدين، يجعل المظهر الخارجى ومجموعة المحظورات أهم من جوهر الإنسان وأخلاقه وأثره فى الحياة.
ولذلك، فإننا نريد أن نطرح السؤال من جديد، ولكن هذه المرة من خلال قراءة مجموعة الآيات التى تناولت الخلق والاستخلاف والابتلاء والعمل والمعرفة، بدلا من الاكتفاء بآية واحدة مهما كانت أهميتها.
أولا، الإنسان خليفة فى الأرض، وليس مجرد عابد:
ولنبدأ من قصة الخلق فى سورة البقرة، حيث يخبرنا القرآن بالحوار بين الله والملائكة:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).
هذا المشهد من أكثر مشاهد القرآن ثراء من الناحية الفلسفية.
فالملائكة تقارن بين وجودها القائم على التسبيح والتقديس، وبين الكائن الجديد الذى سيعيش على الأرض، وتلفت النظر إلى احتمالات فساده وسفكه للدماء. وكأنها تتساءل عن جدوى خلق كائن يحمل هذه الإمكانات المقلقة، فى حين أنها تؤدى وظيفتها فى التسبيح والتقديس.
لكن الإجابة الإلهية تأتى مقتضبة وعميقة:
﴿إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ثم تأتى الآية التالية:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31).
إن ترتيب المشهد هنا يستحق التأمل. فبعد الحديث عن الاستخلاف، يأتى التعليم والمعرفة باعتبارهما أول ما يبرز من خصائص آدم فى هذا السياق.
لا يقول القرآن إن الإنسان خلق ليكون أكثر تسبيحا من الملائكة، ولا إن قيمته تكمن فى قدرته على أداء الشعائر وحدها. بل يضع المعرفة فى قلب قصة الخلق، ويقدم الإنسان كائنا قابلا للتعلم والإدراك والتسمية والتفكير.
لا نزعم أن الآية تقول صراحة إن المعرفة هى السبب الوحيد للخلق، لكن من الصعب تجاهل مكانتها فى هذا المشهد التأسيسى.
وهنا يظهر اختلاف جوهرى بين الإنسان والملائكة.
الإنسان ليس كائنا مبرمجا على نمط واحد من السلوك، بل يمتلك إمكانات متعارضة، يستطيع أن يبنى أو يهدم، أن يظلم أو يعدل، أن يجهل أو يتعلم، وأن يختار طريقه ويتحمل تبعات اختياره.
إنه كائن يحمل مسؤولية وجوده على الأرض.
ثانيا، إعمار الأرض غاية تتجاوز الطقوس:
يقول القرآن على لسان صالح لقومه:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61).
والتعبير القرآنى "استعمركم فيها" يرتبط فى فهم عدد من المفسرين بمعنى طلب عمارة الأرض.
وهنا نواجه بعدا آخر للوجود الإنسانى.
الإنسان ليس مجرد عابد ينتظر انتقاله إلى العالم الآخر، بل كائن يعيش فى عالم مادى، ويمنح القدرة على الانتفاع بخيراته والعمل على تطويره.
إن عمارة الأرض لا تعنى تشييد المبانى والطرق فحسب، بل تشمل الزراعة والصناعة والعلوم والفنون والطب والفلسفة، وإقامة المجتمعات التى تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
ويقول تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13).
إنها دعوة إلى النظر فى الكون والانتفاع بموارده واكتشاف قوانينه، وليست دعوة إلى الانصراف عن الحياة.
ومن المدهش أن بعض الخطابات الدينية المعاصرة تتعامل مع العلوم والفنون والفلسفة باعتبارها أمورا ثانوية، بينما يضع القرآن التفكر فى خلق السماوات والأرض فى منزلة رفيعة:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).
ثم يصف هؤلاء بأنهم يتفكرون فى خلق السماوات والأرض.
فهل التفكر عبادة؟ وهل السعى إلى المعرفة جزء من معنى الاستخلاف؟ إن أقل ما يمكن قوله إن القرآن لا ينظر إلى العقل بوصفه عدوا للإيمان، ولا إلى المعرفة باعتبارها انشغالا غير ذى قيمة.
ثالثا، أحسن عملا، لا أكثر طقوسا:
يقول تعالى:
﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2).
ويقول فى سورة هود:
﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هود: 7).
لاحظوا التعبير القرآنى، أحسن عملا.
لم يقل أكثر عبادة، ولم يجعل عدد الشعائر هو المعيار الوحيد الذى تقاس به قيمة الإنسان، بل وضع العمل فى مركز الاختبار الإنسانى.
والعمل الصالح فى القرآن ليس مفهوما ضيقا، إنه يشمل العدل والإحسان والصدق والوفاء بالعهود وإطعام المحتاج وحماية الضعيف وإصلاح ما أفسده البشر.
ويقول تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى﴾ (النحل: 90).
فأين يمكن أن نضع هذه القيم فى تصور يختزل الغاية من الخلق فى أداء الشعائر؟
إن الصلاة والصيام والعبادات الأخرى لها مكانتها فى حياة المؤمن، لكن لا يجوز أن تتحول إلى بديل عن الأخلاق، ولا أن تصبح مقياسا وحيدا لقيمة الإنسان.
فليس من المعقول أن يكون الإنسان مواظبا على الطقوس، ثم يظلم الناس ويهينهم ويعتدى على حقوقهم، ويعامل باعتباره أقرب إلى الله من إنسان آخر لم يلتزم بالشعائر لكنه عاش عادلا رحيما صادقا.
رابعا، هل خلق الله الإنسان لأنه يحتاج إلى عبادته؟:
هنا نصل إلى سؤال فلسفى أساسى.
إذا كان الله غنيا عن العالمين، فهل يمكن أن يكون خلق الإنسان لتلبية حاجة لديه إلى العبادة؟
القرآن نفسه يجيب:
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 57-58).
ويقول أيضا:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15).
إذن، العبادة لا يمكن أن تكون إشباعا لحاجة لدى الله، ولا أن تضيف إلى كماله شيئا لم يكن موجودا.
لكن إذا كان الله لا يحتاج إلى عبادة الإنسان، فلماذا خلقه؟ وما الحكمة من التكليف والثواب والعقاب؟
هنا نجد أن المعتزلة قدموا تصورا يستحق أن نستعيده.
خامسا، المعتزلة والعدل الإلهى ومصلحة الإنسان:
كان العدل الإلهى أحد الأصول الخمسة الكبرى للفكر المعتزلى، ولم يكن مجرد عنوان كلامى، بل ترتبت عليه نتائج فلسفية وأخلاقية واسعة.
فالمعتزلة يرون أن الله عادل حكيم، وأن العقل قادر على إدراك الحسن والقبح فى بعض الأفعال، وأن الظلم قبيح فى ذاته، ولا يجوز نسبته إلى الله.
ومن أبرز من صاغوا هذه الأفكار بصورة منهجية "القاضى عبد الجبار"، الذى تناول قضايا التكليف والحكمة واللطف والثواب والعقاب.
فى هذا التصور، لا ينتفع الله بطاعة الإنسان، ولا يتضرر بمعصيته. وإنما يرتبط التكليف بمصلحة الإنسان، وبإتاحة الفرصة له كى يعرف الخير ويختاره، ويستحق الثواب على عمله.
والفرق هنا كبير بين تصورين...
تصور يجعل الإنسان موجودا لتلبية مطلب إلهى، وتصور يرى أن الله الغنى الكامل لا يحتاج إلى مخلوقاته، وأن التكليف مرتبط بالحكمة والعدل ومصلحة المكلف.
ولا يعنى ذلك أن المعتزلة اتفقوا فى كل تفاصيل نظرية الغرض والمصلحة، أو أن جميعهم قدموا إجابة واحدة عن سبب الخلق. لكنهم وضعوا سؤال العدل والحكمة فى قلب البحث الكلامى، ورفضوا أن تكون المشيئة الإلهية ذريعة لتبرير الظلم أو العبث.
وهذا من أهم ما يجعل استعادة تراثهم ضرورة فى أى مشروع إسلامى عقلانى معاصر.
سادسا، هل الأخلاق حكر على المؤمنين؟:
ربما تكون هذه القضية من أكثر القضايا التى تحتاج إلى مواجهة صريحة.
ففى بعض الخطابات السلفية، يتكرر الادعاء بأن الإنسان لا يستطيع أن يكون أخلاقيا حقا دون إيمان دينى، وأن الأخلاق لا أساس لها خارج الدين.
لكن هذا الادعاء يثير أسئلة لا يمكن تجاهلها.
هل يصبح الظلم قبيحا فقط لأن النص نهى عنه؟ وهل يصبح العدل حسنا فقط لأن النص أمر به؟ وهل يفقد إطعام الجائع قيمته إذا قام به شخص لا يؤمن بالله؟ وهل تصبح الرحمة أقل نبلا إذا صدرت عن إنسان لا ينتظر ثوابا فى الآخرة؟
لقد قدم المعتزلة إجابة مختلفة عن التصور الذى يجعل الأخلاق مجرد امتثال للأوامر والنواهى.
فالعقل، فى نظرهم، يستطيع إدراك بعض القيم الأخلاقية بصورة مستقلة عن ورود النص. فالعدل حسن، والظلم قبيح، والصدق حسن، والكذب قبيح.
وهذا لا يعنى أن الدين لا يضيف شيئا إلى الأخلاق، أو أن الإيمان لا يمكن أن يكون مصدرا للتحفيز الأخلاقى. بل يعنى أن القيمة الأخلاقية ليست مجرد نتيجة لأمر أو نهى، وأن العقل الإنسانى ليس عاجزا عن إدراك الخير والشر.
وهنا نحتاج إلى التمييز بين أمرين، أن يكون الدين مصدرا مهما للهداية الأخلاقية، وأن نزعم أنه المصدر الوحيد الممكن للأخلاق.
الأول مفهوم، أما الثانى فلا تؤيده التجربة الإنسانية ولا يكفى لإثباته مجرد الاستشهاد بالنصوص.
فالواقع يخبرنا أن المجتمعات الدينية وغير الدينية تضم أناسًا أصحاب فضيلة وأناسًا يرتكبون الظلم والفساد. والتدين الظاهر لا يضمن الفضيلة، كما أن غياب التدين لا يعنى بالضرورة غياب الضمير.
والسؤال الذى ينبغى أن نطرحه هو هل نمتنع عن الظلم لأننا ندرك قبحه ومعاناة ضحيته، أم لأننا نخشى العقاب فحسب؟
إن اختزال الأخلاق فى الثواب والعقاب يحولها إلى نوع من المعاملة، بينما جوهرها الأعمق هو إدراك قيمة الإنسان وكرامته وحقه فى العدل.
سابعا، حين يتحول التفسير السلفى إلى اختزال للإسلام:
نعود الآن إلى نقطة البداية.
لماذا يصر بعض أصحاب الخطاب السلفى على تقديم العبادة باعتبارها الإجابة الوحيدة عن سؤال الغاية من الخلق، مع وجود هذه المجموعة من الآيات التى تتحدث عن الاستخلاف والمعرفة وعمارة الأرض والعمل الصالح والتفكر؟
المشكلة ليست فى الاستشهاد بآية الذاريات، ولا فى التأكيد على أهمية العبادة. المشكلة فى الانتقاء الذى يحول آية إلى إطار مغلق، ثم يهمش بقية المعانى القرآنية التى توسع فهمنا للإنسان.
وهنا يحضر إلى الذهن قوله تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85).
لا نقول إن الانتقاء التفسيرى يساوى الكفر العقدى المقصود فى الآية، فذلك خلط غير مقبول. لكننا نستحضر المبدأ الذى تثيره الآية. لا يجوز أن نتعامل مع الكتاب باعتباره أجزاء نختار منها ما يخدم تصورنا، ثم نغفل ما يفرض علينا توسيع هذا التصور.
إن احتكار معنى العبادة ثم تحويله إلى معيار وحيد لتقييم الإنسان هو أحد مظاهر الأزمة فى الخطاب السلفى.
فهذا الخطاب كثيرا ما ينقل مركز الثقل من القيم الكبرى إلى التفاصيل الشكلية، طول الثوب، وشكل اللحية، والموقف من الموسيقى، ومصافحة المرأة، وقوائم طويلة من التحريمات التى تصبح فى بعض الخطابات أهم من العدل والرحمة والصدق واحترام كرامة الآخرين.
وهكذا يتم اختزال الدين فى مظاهر شكلية، ويصبح السؤال عن مدى التزام الإنسان بالمظاهر أكثر حضورا من السؤال عن مدى عدله ورحمته وأمانته.
إننا لا ننكر حق أى مسلم فى اختيار نمط التدين الذى يقتنع به، ولا نطالب أحدا بالتخلى عن ممارساته الدينية. لكننا نرفض أن تتحول اختيارات مدرسة فقهية أو تيار دينى إلى معيار إلزامى لجميع المسلمين، أو أن يتهم من يخالفها فى دينه وأخلاقه.
فليس من حق أحد أن يحتكر الإسلام، وليس من حق جماعة أن تضع نفسها وصية على ضمائر الناس.
ثامنا أى إنسان يريد القرآن؟:
إذا جمعنا هذه الآيات، فإننا نجد أمامنا تصورا أوسع بكثير من الإنسان الذى يختزل وجوده فى أداء الشعائر.
نجد الإنسان الذى يتعلم ويعرف، ويتفكر فى الكون، ويعمر الأرض، ويعمل، ويختار، ويحاسب على اختياراته.
نجد الإنسان الذى يطلب منه العدل والإحسان، والوفاء بالعهد، ورعاية الضعيف، واحترام حقوق الآخرين.
ونجد الإنسان الذى يملك عقلا يستطيع أن يتدبر به، لا عقلا مطلوبا منه أن يتوقف عند حدود ما قرره المفسرون والفقهاء فى عصور سابقة.
ولعل آية البر فى سورة البقرة تقدم لنا نموذجا بليغا لهذا الاتساع:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177).
هذه الآية لا تلغى الشعائر، لكنها ترفض اختزال البر فى اتجاه القبلة، وتضع الإيمان إلى جوار العطاء والوفاء والصبر والمسؤولية الاجتماعية.
إنها صورة للإنسان المؤمن الذى لا تنفصل علاقته بالله عن علاقته بالناس.
وهذا هو جوهر ما نريد استعادته.
خاتمة، العبادة التى لا تصنع إنسانا:
لا نريد أن نستبدل اختزالا باختزال آخر، ولا أن ننكر أهمية العبادة فى حياة المؤمن. لكننا نرفض أن تكون العبادة الطقسية هى المعيار الوحيد لقيمة الإنسان، أو أن تستخدم لتبرير تجاهل العقل والأخلاق والحرية والكرامة.
إننا نريد إسلاما لا يخاف من السؤال، ولا يعادى المعرفة، ولا يرى فى الفن والموسيقى والفلسفة تهديدا، ولا يحول المرأة إلى موضوع دائم للوصاية، ولا يقيس إيمان الناس بمظاهرهم الخارجية.
نريد إسلاما يستعيد روح العدل عند المعتزلة، وانفتاح العقل عند "محمد عبده"، ونزعة التحرر من الجمود عند "عبد المتعال الصعيدى"، والعمق الإنسانى الذى نلمسه فى بعض تجارب التصوف الإسلامى، دون تقديس أى من هؤلاء أو تحويلهم إلى مراجع لا تناقش.
فإذا كان الله قد خلق الإنسان ومنحه العقل والقدرة على المعرفة والاختيار، وإذا كان قد جعله خليفة فى الأرض، وأمره بالعدل والإحسان، وجعل الحياة مجالا يظهر فيه أحسن العمل، فكيف نقبل أن نختزل كل ذلك فى عدد الركعات أو شكل الثوب أو قائمة المحرمات؟
ربما لا يكون السؤال الأهم هو هل خلقنا الله لنعبده؟
فالقرآن يقول ذلك بالفعل.
لكن السؤال الذى يستحق أن نطرحه هو: ما معنى العبادة إذا لم تجعل منا بشرا أكثر عدلا ورحمة ووعيا؟
وما قيمة التدين إذا انفصل عن احترام الإنسان؟ وما جدوى الطقوس إذا لم تنعكس على سلوك صاحبها؟
إننا لا نريد إسلاما أقل تدينا، بل إسلاما أكثر إنسانية وعقلا وعدلا.
إسلاما لا يخشى العقل، ولا يحتكر الحقيقة، ولا يجعل من الاختلاف جريمة، ولا يضع بين الإنسان وربه وصيا يقرر له كيف يفكر وكيف يعيش.
ذلك هو الإسلام التقدمى الذى نريد أن نفتح حوله باب النقاش.

تعليقات