الرسول والرسالة - أين ينتهى الوحى وأين يبدأ الاجتهاد؟


الرسول والرسالة - أين ينتهى الوحى وأين يبدأ الاجتهاد؟

هناك سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يمس واحدة من أكثر المسائل حساسية فى الفكر الإسلامى.

هل كل ما قاله النبى محمد أو فعله أو أقره يتحول بالضرورة إلى حكم دينى ملزم؟

قد يبدو هذا السؤال عند البعض تشكيكًا فى السنة أو انتقاصًا من مقام الرسول. لكن الغرض من طرحه ليس إنكار السنة، ولا التقليل من مكانة النبى، بل الكشف عن خلط يحتاج إلى أن نتوقف أمامه. الخلط بين ثبوت أن النبى قال قولًا أو فعل فعلًا، وبين اعتبار هذا القول أو الفعل تشريعًا عامًا واجب الاتباع. والخلط بين الاقتداء بالرسول فى هديه ومقاصده، وبين تحويل كل ما صدر عنه، بصرف النظر عن سياقه وطبيعته، إلى حكم دينى دائم.

فنحن لا نتحدث عن صدق الرسول محمد بن عبد الله، ولا عن مكانته رسولًا أرسله الله، بل عن سؤال مختلف، ما المعايير التى تمكننا من التمييز بين ما أراده تشريعًا للأمة، وبين ما ارتبط بظرف معين، وما عبر عن طبيعة الحياة البشرية ومقتضياتها؟

ولكى لا تختلط علينا الأمور، علينا أن نميز بين ثلاثة أسئلة مختلفة.

أولها: هل ثبت أن النبى قال هذا القول أو فعل هذا الفعل؟

وثانيها: إذا ثبت، فما الذى كان يقصده، وفى أى سياق صدر عنه؟

وثالثها: هل كان يقصد به تشريعًا عامًا ملزمًا، أم كان يتصرف فى مقام معين، أو يستجيب لظرف محدد؟


إن الإجابة عن السؤال الأول لا تحسم السؤال الثانى، والإجابة عن السؤال الثانى لا تحسم السؤال الثالث.

وهذه المسافة بين ثبوت الرواية وفهمها وتحديد حجيتها هى جوهر المسألة التى يناقشها هذا المقال.


النبى بشر... يوحى إليه:

القرآن لا يتركنا فى حيرة بشأن طبيعة الرسول البشرية. 

9يقول الله لنبيه:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الكهف: 110).

فالنبى بشر مثل سائر البشر، والذى يميزه عنهم، كما تقول الآية، أنه يوحى إليه.

ليس إلهًا، ولا نصف إله، ولا إنسانًا خرج عن حدود الطبيعة البشرية. إنه إنسان اصطفاه الله ليحمل رسالته إلى الناس.

والقرآن نفسه يخاطبه ويأمره وينهاه ويعاتبه:

﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ (التوبة: 43).

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1).

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ (عبس: 1-2).


لسنا هنا أمام إنسان لا يجتهد، ولا يحتاج إلى تصحيح، ولا يمكن أن يراجع قرارًا اتخذه. نحن أمام رسول اصطفاه الله، يتلقى الوحى ويبلغه، ويعيش فى الوقت نفسه حياة بشرية تتداخل فيها شؤون الدعوة والقيادة والأسرة والمجتمع.

ولا يعنى هذا أن كل اجتهاد نبوى كان خطأ، أو أن الوحى لم يكن يتدخل لتصحيح بعض المواقف، بل إن القرآن نفسه يبين أن هذا التصحيح قد يقع.

فالوحى مصدره الله، أما الاجتهاد فهو فعل بشرى، حتى حين يصدر عن رسول الله. وقد يقر الوحى هذا الاجتهاد، وقد يصححه. لكن مجرد صدور قول أو فعل عن النبى لا يكفى وحده لإثبات أنه وحى إلهى.

وهذا ليس انتقاصًا من الرسول، بل محاولة نفى بشريته هى التى قد تنتقص، من حيث لا تدرى، من عظمة الرسالة، لأن القرآن نفسه لم يرى فى بشريته نقصًا يحتاج إلى إخفائه.


صلح الحديبية، حين احتاج الرسول إلى مشورة زوجته:

من القصص التى حفظها لنا التراث، وتساعدنا على فهم هذه الطبيعة البشرية، قصة صلح الحديبية.

فبعد أن عقد النبى الصلح مع قريش، أمر أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم. لكن الصحابة، وقد أثقلهم ما اعتبروه تنازلًا مؤلمًا، لم يستجيبوا. كرر الأمر، ولم يتحركوا.

فدخل على زوجته "أم سلمة" وأخبرها بما حدث. فأشارت عليه أن يخرج فلا يكلم أحدًا، وأن ينحر هديه ويدعو حالقه. ففعل. فلما رأى الصحابة ذلك، قاموا فنحروا وحلقوا.

حتى لو أخذنا الرواية كما وردت، فإنها تكشف جانبًا مهمًا من شخصية الرسول، كان قائدًا يتعامل مع واقع سياسى واجتماعى معقد، ويستشير زوجته، ويستفيد من رأيها، ويأخذ بمشورتها حين يرى فيها الحل المناسب.

لم تنتقص المشورة من نبوته، ولم تمنعه مكانته من الاستفادة من فهم إنسان آخر لطبيعة الموقف.

والقصة لا تحسم وحدها مسألة حجية كل تصرف نبوى، لكنها تذكرنا بحقيقة أساسية، أن حياة الرسول لم تكن سلسلة من الأقوال التشريعية المجردة، بل كانت حياة إنسانية حقيقية، تتداخل فيها الرسالة مع القيادة والتدبير والمشورة.

ومن هنا نصل إلى سؤال، هل يصح أن نعامل كل تفاصيل هذه الحياة معاملة واحدة؟


من "فعل النبى" إلى "هذا هو الإسلام":

نعرف من التراث نفسه أن النبى عاش حياة إنسانية كاملة، ثم نجد فى بعض الخطابات الدينية أن تفاصيل كثيرة من هذه الحياة تتحول إلى أحكام دينية لا يجوز مناقشتها.

كيف حدث ذلك؟

لم يعد السؤال دائمًا ماذا قال القرآن؟ وما الذى كان وحيًا؟ وما الذى كان اجتهادًا أو تدبيرًا فى موقف معين؟

بل أصبح السؤال فى كثير من الأحيان، هل ورد أن النبى فعل ذلك؟

فإذا كانت الإجابة نعم، انتقل الأمر أحيانًا مباشرة من "ما فعله النبى" إلى "هذا هو الإسلام".

وهذه قفزة تحتاج إلى تفسير.

فقد يكون الفعل النبوى تشريعًا عامًا، وقد يكون تطبيقًا لحكم شرعى فى ظرف معين، وقد يكون قرارًا اتخذه الرسول بوصفه قائدًا أو قاضيًا، وقد يكون تصرفًا مرتبطًا بعادة اجتماعية أو بطبيعة الحياة اليومية.

ولا يكفى أن نثبت وقوع الفعل حتى نحدد أى هذه الاحتمالات ينطبق عليه.

إن احترام الرسول لا يعنى أن نلغي الفروق بين المقامات التى عاشها، ولا أن نفترض أن كل ما صدر عنه يحمل الطبيعة التشريعية نفسها.


القرآن كلام الله... والحديث رواية عن الرسول:

هنا نصل إلى تمييز أساسى.

القرآن كلام الله. أما الحديث، حتى إذا صح عندنا، فهو رواية منقولة عن قول أو فعل أو إقرار للنبى.

وقد تكون الرواية غير صحيحة، وقد تكون صحيحة لكن يختلف الناس فى فهم معناها، وقد يكون القول قد صدر فى سياق معين ولسبب معين، من دون أن يكون المقصود منه إنشاء حكم عام دائم.

والأهم أن ثبوت أن النبى قال شيئًا لا يجيب وحده عن السؤال الأكثر أهمية، ما طبيعة هذا الشىء الذى قاله؟

هل كان تبليغًا لوحى؟ أم تفسيرًا لمعنى؟ أم تطبيقًا لحكم فى موقف معين؟ أم قرارًا بوصفه قائدًا أو قاضيًا؟ أم توجيهًا مرتبطًا بظروف اجتماعية محددة؟

هذه أسئلة مختلفة، ولا يجوز أن نختصرها كلها فى كلمة واحدة هى "السنة".

وحتى مفهوم السنة نفسه يحتاج إلى وقفة.

فالقرآن يستخدم كلمة "السنة" فى الحديث عن النهج والطريقة الجارية، فيتحدث عن "سنة الله" و"سنن الأولين"، لكنه لا يقدم تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا للسنة النبوية بالمعنى الذى استقر لاحقًا فى علوم الحديث والفقه.

ولا يعنى ذلك أن المفهوم الذى استقر لاحقًا لا أصل له، فالمصطلحات تتطور، وقد تتشكل المفاهيم قبل أن تستقر أسماؤها. لكن نشأة المصطلح وتطوره لا يحسمان وحدهما طبيعة كل ما يدخل تحته، ولا درجة حجيته، ولا كيفية الاستدلال به.

فالسؤال ليس مجرد متى ظهر المصطلح، بل ما الذى نعنيه به حين نستخدمه اليوم؟


هذا التمييز موجود فى تراثنا:

قد يظن البعض أن التمييز بين تصرفات الرسول بوصفه مبلغًا للوحى، وبين تصرفاته فى القضاء والسياسة وتدبير شؤون الجماعة، محاولة معاصرة للتقليل من شأن السنة.

لكن هذا التمييز له جذور واضحة فى التراث الأصولى نفسه.

فقد تناول الإمام "شهاب الدين القرافى" هذه المسألة فى كتابه "الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام"، وميز بين اختلاف المقامات التى تصدر عنها تصرفات الرسول، وما يترتب على ذلك من اختلاف فى أحكام الاقتداء والاتباع.

كما تناول "محمد الطاهر بن عاشور"، فى كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، أنواعًا من التصرفات النبوية، وضرورة التمييز بين ما يقصد به التشريع العام وما يصدر فى مقامات أخرى.

وهذا يعنى أن المسألة لم تكن غائبة عن عقول كبار علماء الأصول. فقد أدركوا أن معرفة ما صدر عن الرسول لا تكفى وحدها، بل ينبغى أيضًا معرفة الصفة التى صدر عنها التصرف، والمقام الذى وقع فيه، والغرض الذى اتجه إليه.

لكن وجود هذا التمييز فى كتب الأصول لا يعنى أن تطبيقاته محسومة فى كل حالة، ولا أن جميع العلماء اتفقوا على حدوده. فهناك خلافات فى تحديد طبيعة بعض التصرفات، وفى مدى عموم بعض الأحكام، وفى كيفية الانتقال من الفعل النبوى إلى الحكم الفقهى.

وهذا أمر طبيعى فى مجال الاجتهاد.

المشكلة تبدأ حين يغيب هذا التمييز عن الخطاب الدينى الشائع، ويصبح كل ما ينسب إلى الرسول معاملة واحدة، وكأن السؤال عن المقام والسياق والدلالة لم يعد مشروعًا.

فما نطالب به ليس هدم التراث، بل أن نأخذ بجدية ما فتحه بعض كبار علمائه من أسئلة، وألا نحول النتائج الاجتهادية إلى مسلمات لا تقبل المراجعة.


اعتراضات جادة: ماذا عن آيات الطاعة؟

سيقول قائل ولكن القرآن نفسه يأمرنا بطاعة الرسول والاقتداء به. أليست هذه الطاعة دليلًا على وجوب اتباع ما صدر عنه؟

هذا اعتراض جاد، ولا ينبغى الالتفاف عليه أو اختزاله.

نحن لا ننكر أن القرآن يقرر طاعة الرسول، ولا أن له مكانة خاصة فى تبليغ الرسالة وبيانها والحكم بين الناس. لكن السؤال الدقيق هو، هل تحسم آيات الطاعة، بمفردها، طبيعة كل قول أو فعل منسوب إليه، ومدى إلزامه لكل مسلم فى كل زمان؟

لنتأمل هذه الآيات.


﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾

تقرر الآية بوضوح أن طاعة الرسول من طاعة الله. ولا يصح تجاهل دلالتها أو التقليل من شأنها.

لكن الآية لا تصنف بنفسها كل تصرف نبوى، ولا تخبرنا بأن كل ما يصدر عن الرسول فى مختلف شؤون حياته يحمل بالضرورة الطبيعة التشريعية نفسها.

فثمة فرق بين الإقرار بوجوب طاعة الرسول، وبين افتراض أن كل فعل صدر عنه واجب الاتباع، وبين إثبات أن كل رواية صحيحة نقلت عنه بعد وفاته تنقل حكمًا عامًا دائمًا.

الأول مبدأ قرآنى واضح، أما الانتقال منه إلى النتائج الأخرى فيحتاج إلى بيان.


﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

تدعو الآية إلى الاقتداء بالرسول، لكنها لا تعنى بالضرورة أن كل فعل فعله يجب أن يكرره كل مسلم.

فالاقتداء يمكن أن يكون فى الصدق والعدل والصبر والرحمة والشجاعة والوفاء، وفى المبادئ التى جسدها الرسول فى حياته.

ولا يعنى الاقتداء أن يتحول كل تفصيل فى حياته اليومية إلى حكم دينى عام، بصرف النظر عن الظروف التى وقع فيها.

بل إن الاقتداء الحقيقى قد يقتضى فهم الغاية من الفعل، لا مجرد تكرار صورته.


﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾

وردت الآية فى سورة الحشر ضمن سياق الحديث عن الفىء وتوزيعه. وهذا السياق مهم لفهمها، وإن كان لا يحسم وحده إمكان الاستدلال بها على معان أوسع.

لكن حتى إذا فهمنا الآية على نحو أوسع، يبقى السؤال قائمًا، كيف نعرف ما الذى آتانا الرسول به على سبيل التشريع العام، وما الذى صدر عنه فى مقام آخر؟

فالآية تقرر مبدأ الأخذ بما جاء به الرسول والانتهاء عما نهى عنه، لكنها لا تقدم بمفردها تصنيفًا تفصيليًا لكل تصرفاته، ولا تحسم كيفية التحقق من الروايات المنقولة عنه أو تحديد نطاق دلالتها.

ولا يكفى أن نستشهد بالآية لإثبات المبدأ، ثم نفترض أن كل ما نريد إثباته يدخل تحته تلقائيًا.


﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

تثبت الآية للرسول مهمة التبيين، وهى مهمة أساسية فى علاقته بالوحى الذى يتلقاه ويبلغه.

لكن ما طبيعة هذا التبيين؟ وما حدوده؟ وكيف نميز بين البيان المتصل بالوحى وبين الاجتهاد فى تطبيقه على الوقائع؟

يمكن أن يشمل التبيين توضيح المعنى، وإظهار كيفية التطبيق، وبيان ما يحتاج الناس إلى فهمه من الرسالة. لكن إثبات مهمة التبيين لا يحسم وحده أن كل رواية صحيحة عن الرسول، بصرف النظر عن طبيعتها وسياقها، تمثل حكمًا إلهيًا دائمًا.

إن إثبات دور الرسول فى بيان الوحى شىء، وتحديد طبيعة كل ما نقل عنه بعد وفاته شىء آخر.


"الكتاب والحكمة"

يستدل كثير من علماء التراث بعبارة «الكتاب والحكمة» على أن الحكمة هى السنة النبوية. وهذا تفسير له جذوره وأدلته فى الفكر الإسلامى، ولا يصح تجاهله أو التعامل معه وكأنه قول بلا أساس.

لكن لفظ الحكمة لا يعرف نفسه فى القرآن باعتباره مصطلحًا مساويًا للسنة النبوية بالمعنى الذى استقر لاحقًا فى علوم الحديث والفقه. فالقرآن يستخدم الحكمة فى سياقات متعددة، منها الفهم السديد وحسن الحكم ووضع الأمور فى مواضعها.

ومن ثم، فإن تفسير الحكمة بالسنة يظل تفسيرًا يحتاج إلى مناقشة أدلته، ولا يتحول إلى نص قرآنى صريح لمجرد شيوعه فى التراث.

وحتى إذا قبلنا هذا التفسير، يبقى السؤال الأهم، هل يعنى ذلك أن كل ما نسب إلى الرسول، على اختلاف المقامات والظروف ودرجات الثبوت والدلالة، يصبح تشريعًا عامًا دائمًا؟

هذا استنتاج إضافى، لا يغنى عنه مجرد الربط بين الكتاب والحكمة.


﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

هذه من أقوى الآيات فى تقرير وجوب التحاكم إلى الرسول والتسليم لحكمه فيما يقع بين الناس من نزاع.

ولا ينبغى التقليل من دلالتها.

لكن الآية تتحدث عن التحاكم إلى الرسول والتسليم لحكمه، ولا تنص بذاتها على أن كل رواية صحيحة نقلت عنه بعد وفاته تعادل حكمًا مباشرًا صدر عنه فى واقعة معينة.

كما لا يصح أن نساوى تلقائيًا بين رفض اجتهاد فقهى مبنى على رواية وبين رفض حكم الرسول نفسه، فهناك فرق بين حكم صدر عن الرسول فى واقعة، ورواية تنقل هذا الحكم، ثم تفسير فقيه لها، ثم حكم يستنبطه منها.

ولكى ننتقل من الأول إلى الأخير، نحتاج إلى النظر فى صحة الرواية ودلالتها ومدى انطباق الحكم على الحالة الجديدة.

إن التسليم لحكم الرسول لا يعنى أن كل اجتهاد بشرى فى تحديد هذا الحكم يصبح هو نفسه ملزمًا أو معصومًا من الخطأ.


﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾

قد يعترض معترض أخير قائلًا أليست هذه الآية دليلًا على أن كلام الرسول كله وحى؟

هذا استدلال معروف، لكنه يحتاج إلى التمييز بين ما تقوله الآيات فى سياقها، وبين ما نريد أن نستنتجه منها.

فالآيات واردة فى سياق الحديث عن الوحى الذى يتلقاه الرسول ويبلغه، وتؤكد أنه لا يصدر عن الهوى فيما يبلغه عن ربه.

لكنها لا تنص بذاتها على أن كل ما صدر عنه فى جميع شؤون حياته، من حديث يومى أو تدبير عملى أو تصرف مرتبط بظرف معين، يصبح تشريعًا إلهيًا دائمًا.

والانتقال من إثبات صدق الرسول فى تبليغ الوحى إلى اعتبار كل ما صدر عنه وحيًا بالمعنى نفسه يحتاج إلى دليل مستقل.

وحتى لو تبنى أحد تفسيرًا أوسع لدلالة الآية، فسيظل بحاجة إلى الإجابة عن سؤال آخر، كيف نميز بين الوحى نفسه وبين الرواية التى تنقل كلام الرسول، وبين الاجتهاد الفقهى الذى يستنبط حكمًا من تلك الرواية؟

فإثبات حجية الوحى لا يلغى ضرورة فحص ما ننسبه إليه.


ماذا بعد وفاة الرسول؟:

هنا نصل إلى لب الخلاف.

نسلم بأن حكم الرسول كان ملزمًا لمن توجه إليهم فى حياته، بحسب طبيعة الحكم والمقام الذى صدر فيه. لكن ماذا عن الأحكام والتصرفات التى يراد إلزام المسلمين بها بعد وفاته؟

يجيب الاتجاه السائد فى الفكر الإسلامى بأن رسالة الرسول باقية، وأن السنة مصدر للتشريع، وأن طاعته لا تقتصر على حياته.

وهذا موقف له بناؤه المعروف فى التراث الإسلامى، ولا يكفى أن نرفضه بمجرد الاعتراض على بعض الروايات أو الأحكام المستنبطة منها.

لكن السؤال الذى نطرحه هنا مختلف، هل بقاء الرسالة يعنى بالضرورة أن كل تصرف صدر عن الرسول يظل ملزمًا بالطريقة نفسها؟

ليس بالضرورة.

فما قصد به التشريع العام يختلف عن القضاء والتدبير السياسى والاستجابة لظرف معين. وقد يكون الفعل مرتبطًا بمقام محدد، ثم يستفاد منه مبدأ عام، لكن تعميمه يحتاج إلى قرائن. وقد يصدر عن الرسول توجيه فى واقعة بعينها، ثم يختلف الفقهاء فى مدى امتداد حكمه إلى وقائع أخرى.

ولهذا فإن تحديد ما يبقى ملزمًا بعد الوفاة ليس مسألة تحسمها عبارة عامة عن بقاء الرسالة، بل يحتاج إلى معايير واضحة تميز بين المقامات والدلالات.

وهذا هو المجال الذى حاول علماء الأصول، ومنهم القرافى وابن عاشور، أن يفتحوا فيه باب التمييز والاجتهاد.

فالمطلوب ليس أن ننكر كل ما صدر عن الرسول خارج القرآن، بل ألا نفترض أن كل ما صدر عنه يحمل بالضرورة الطبيعة نفسها، أو أن كل ما نقل عنه يمكن أن يتحول إلى حكم عام بمجرد تصحيح الرواية.


كيف يتحول "حديث صحيح" إلى حكم إلهى؟:

لنتتبع المسار الذى قد يتحول عبره قول منسوب إلى الرسول إلى حكم يقال عنه إنه حكم الإسلام.

تبدأ المسألة برواية تنسب قولًا أو فعلًا إلى النبى. ثم يبحث علماء الحديث فى ثبوتها، فيقبلونها أو يضعفونها وفق مناهجهم. وبعد ذلك يأتى تفسير معناها، وتحديد السياق الذى صدرت فيه، والنظر فى علاقتها بالنصوص الأخرى. ثم يستنبط فقيه منها حكمًا، وقد يوافقه فقيه آخر أو يخالفه، وقد تتبنى مدرسة فقهية تفسيرًا دون غيره.

كل مرحلة من هذه المراحل لها أسئلتها وأدواتها.


علوم الحديث تبحث فى ثبوت الروايات، وأصول الفقه تبحث فى دلالات الأدلة وكيفية الاستنباط، والفقه يقدم أحكامًا مستندة إلى اجتهادات فى فهم النصوص وتطبيقها.

وهذه علوم مهمة، لكن وجودها لا يجعل كل نتيجة يصل إليها أصحابها معصومة من الخطأ.

فقد تكون الرواية ثابتة، بينما يختلف العلماء فى تفسيرها. وقد يكون معناها واضحًا، لكن يختلفون فى مدى عموم حكمها. وقد يتفقون على أصل الحكم ويختلفون فى شروط تطبيقه.

والرسول شىء، والرواية عنه شىء، والاجتهاد فى فهم الرواية شىء ثالث.

المشكلة تبدأ حين تختفى هذه المراحل كلها من وعينا، ونصل إلى الحكم النهائى فنقول ببساطة: "الإسلام يحرم هذا".


قد يكون الحكم صحيحًا فى نظر صاحبه، وقد يكون له سند معتبر فى التراث، لكن ذلك لا يعفى صاحبه من توضيح الدليل الذى يستند إليه، وبيان كيفية الانتقال من النص أو الرواية إلى الحكم.

وإذا كان الحكم اجتهادًا فقهيًا، فمن الأمانة أن نقول إنه اجتهاد فقهى، لا أن نقدمه كما لو كان نصًا إلهيًا صريحًا لا يحتمل النقاش.

وهنا يظهر الخطر الحقيقى، أن يتحول احترام الرسول إلى قاعدة تمنع مراجعة ما نسب إليه، ثم تتحول الرواية إلى نص لا يقبل النقاش، ثم يتحول تفسير هذا النص إلى حكم فقهى، ثم يرثه الناس بعد أجيال من دون أن يعرفوا المراحل التى مر بها.

وعندئذ ننسى أن وراء الحكم سلسلة من القرارات المعرفية والاجتهادات البشرية، ونختصرها كلها فى عبارة واحدة: "هذا هو الإسلام".


هل نرفض التراث أم نعيد وضعه فى موضعه؟:

قد يظن البعض أن هذا المنهج يدعو إلى إلغاء التراث أو رفض السنة أو الاكتفاء بقراءة فردية للقرآن.

لكن هذا ليس ما أقوله.

فالتراث الإسلامى ثروة فكرية وتاريخية ضخمة، وفيه علوم واجتهادات وتجارب إنسانية تستحق الدراسة. والروايات المنقولة عن الرسول قد تكون ذات قيمة كبيرة فى فهم التاريخ الإسلامى وسيرة النبى وتطور المجتمع المسلم.

لكن قيمة التراث لا تعنى عصمته، وأهمية الرواية لا تعنى أن كل تفسير لها صحيح، واحترام العلماء لا يعنى أن اجتهاداتهم تتحول إلى أحكام إلهية نهائية.

كما أن نقد بعض الروايات أو الأحكام لا يعنى بالضرورة رفض السنة كلها.

المسألة ليست اختيارًا بين قبول كل ما ورثناه ورفض كل ما ورثناه. إنها مطالبة بأن نميز بين درجات الثبوت، ومراتب الدلالة، وأنواع الحجية، وأن نعترف بأن البشر قد يصيبون وقد يخطئون حتى عندما يجتهدون فى فهم الدين.

وإذا كان علماء الأصول أنفسهم قد بحثوا فى اختلاف مقامات الرسول، فلماذا نغلق هذا الباب حين نصل إلى الخطاب الدينى الشائع؟

ولماذا نعامل كل سؤال عن دلالة رواية أو نطاق حكم باعتباره اعتراضًا على الرسول، بدلًا من اعتباره جزءًا من البحث فى ما يصح أن ننسبه إليه وما يصح أن نستنتجه من قوله أو فعله؟

إن الإيمان لا يقتضى تعطيل العقل، واحترام الرسول لا يقتضى إعفاء كل ما ينسب إليه من الفحص.


أين ينتهى الوحى وأين يبدأ التراث؟:

فى بعض الخطابات الدينية، يختفى الحد الفاصل بين الوحى والرواية والاجتهاد.

كل فعل سنة، وكل عادة حكم، وكل تفضيل قاعدة، وكل رواية صحيحة تتحول إلى تشريع دائم، وكل تفسير فقهى يكتسب سلطة النص الذى يستند إليه.

وكأن فهم ما يريده الله منا لا يمكن أن يتم إلا من خلال آلاف التفاصيل المنقولة عن حياة الرسول، بصرف النظر عن طبيعتها وسياقها ودرجة دلالتها.

لكن هل هذا هو الطريق الوحيد لفهم الرسالة؟

وهل كل ما وصل إلينا عن الرسول يحمل بالضرورة درجة الحجية نفسها؟

وهل من احترام الوحى أن نساوى بينه وبين الرواية عنه، أو بين النص الإلهى والاجتهاد البشرى فى تفسيره؟

هذه ليست أسئلة تهدف إلى الانتقاص من الرسول، بل إلى إعادة التمييز بين ما هو إلهى وما هو بشرى.

فالوحى ليس هو الرواية عن الوحى، والرواية ليست هى تفسيرها، والتفسير ليس هو الحكم الفقهى الناتج عنها.

وقد تكون كل حلقة من هذه الحلقات ذات قيمة، لكن قيمتها لا تعنى أنها تتحول تلقائيًا إلى الحلقة التى تسبقها.


احترام الرسول لا يعنى الخلط بينه وبين الرسالة:

ربما نحتاج، فى النهاية، إلى أن نعود إلى حقيقة بسيطة كثيرًا ما تختفى وسط الجدل.

الله هو الله، 

والرسول هو الرسول، 

والقرآن هو كلام الله.

أما الرواية عن الرسول فهى رواية عنه، قد تثبت أو لا تثبت. وإذا ثبتت، فقد يختلف الناس فى فهمها وتحديد دلالتها. 

وإذا استنبط فقيه منها حكمًا، فإن هذا الحكم يظل مرتبطًا بأدلة الاستنباط وشروطه، ولا يتحول إلى كلام الله لمجرد أن صاحبه نسبه إلى السنة.

إن احترام الرسول لا يعنى أن نخلط بينه وبين الرسالة التى حملها. فرفع كل ما نسب إليه إلى مرتبة الكلام الإلهى، من دون تمييز بين الوحى والرواية والاجتهاد، قد يؤدى إلى محو الحد الفاصل بين ما قاله الله وما فهمه البشر أو نسبوه إلى رسوله.


ولذلك، حين نقول عن حكم فقهى إن "الإسلام يحرم هذا"، علينا أن نسأل أنفسنا هل ورد التحريم بنص قرآنى صريح؟ أم ورد فى رواية عن الرسول؟ 

وإذا ورد فى رواية، فهل ثبتت؟ وما دلالتها؟ وهل قصد بها حكم عام؟ أم أن التحريم اجتهاد فقهى استند إلى مجموعة من الأدلة؟

هذه الأسئلة ليست محاولة لهدم الإسلام، بل مطالبة بألا ننسب إلى الله ما لم يثبت أنه قاله، وألا نحول اجتهادات البشر إلى حدود نهائية لما أراده الله.

ولا يعنى ذلك أن كل حكم لا يرد نصه حرفيًا فى القرآن باطل، أو أن الاجتهاد الفقهى لا قيمة له. فالنصوص تحتاج إلى فهم، والوقائع تحتاج إلى تطبيق، والاجتهاد جزء من تاريخ الفكر الإسلامى. لكن هناك فرقًا بين أن نقول إن حكمًا ما هو نتيجة اجتهاد معتبر، وبين أن نقول إن الله حرم أمرًا بعينه بينما الدليل الذى بين أيدينا لا يتجاوز تفسيرًا بشريًا لرواية أو نص محتمل الدلالة.

إن هذا الفرق ليس تفصيلًا لغويًا. إنه فرق بين أن نتحمل مسؤولية اجتهادنا البشرى، وبين أن ننسب نتائجه إلى الله من دون تمييز.

فالرسول الذى جاء ليبلغنا رسالة الله لا ينبغى أن يتحول، بعد قرون من وفاته، إلى وسيلة تختلط من خلالها الرسالة بما أضافه البشر إليها من روايات وتفسيرات واجتهادات.

إن الإيمان بالرسول لا يعنى أن نتوقف عن التفكير فيما نسب إليه، بل أن نحرص على ألا ننسب إليه ما لم يقله، وألا نحمل كلامه ما لم يقصده، وألا نحول كل ما نفهمه من قوله إلى حكم إلهى دائم.


احترام الرسول هو أن نأخذ رسالته بجدية، وأن نميز بين ما بلغه عن الله وما اجتهد البشر فى فهمه ونقله وتفسيره.


وربما كانت استعادة هذا التمييز من أهم ما نحتاج إليه اليوم، لا لكى نهدم التراث، بل لكى نقرأه بوعى، ولا لكى ننتقص من الرسول، بل لكى نحترم الفارق بين الرسول والرسالة، وبين الوحى والاجتهاد، وبين كلام الله وما يقوله البشر باسمه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أفتقدك - "بقلم: حازم فرجانى"

مـن الذى يحكــم مصــر الأن؟الجزء الثالث

!من يعتـذر لمــن