"الأقرب إلى الحقيقة"، من التعددية إلى النسخة الوحيدة


"حين يتم اختزال الدين"



(١) 

ربما يكون أخطر ما أصاب الخطاب الدينى فى عصرنا الحالى هو الاختزال.

أن يتحول الدين، بكل ما يحمله من آفاق أخلاقية، وثراء إنسانى، وتعددية فى التأويل، إلى نسخة واحدة يتم تقديمها بوصفها هى وحدها الإسلام، وكل ما عداها ليس سوى انحراف، أو بدعة، أو شبهة، أو الطريق إلى الهلاك.

واللافت للنظر أن القرآن لم يقدم نفسه يومًا بهذه الصورة المغلقة، بل كان دائما ما يخاطب العقل، ويوسع من آفاق السؤال، ويعتبر أن التفكير فى حد ذاته فعلًا إيمانيًا.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

﴿لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾

والأخطر من عملية الاختزال تلك، أنه جعل الإنسان العادى يشعر بالذنب لمجرد التفكير، وبالخطيئة لمجرد التساؤل، وكأن السؤال خروج عن الإيمان.

دعونا نرى كيف كان المشهد قبل هذا الاختزال؟

سنجد أن الإسلام لم يولد كنسخة واحدة.

فالقرآن لم يقدم نفسه كنص أحادى الفهم، ولا كخطاب مغلق الدلالة، بل ترك مساحات واسعة للاجتهاد والتأويل.

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ… وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾

وهو هكذا يخبرنا بأن وجود المتشابه لم يكن خللًا، بل إقرارًا إلهيًا بأن الفهم ليس واحدًا.

وللسبب ذاته نشأت مدارس فقهية متعددة، واتجاهات كلامية متباينة، واجتهادات متجاورة.

الفقه نفسه كان اجتهادًا بشريًا… لا عقيدة إيمانية.

لقد فرق القرآن نفسه بوضوح بين الوحى الإلهى والفهم البشرى له.

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

هذه الآية وحدها تهدم فكرة التطبيق الواحد الوحيد الكامل.

فالاستطاعة تختلف، والسياق يختلف، والفهم يختلف.

لكن متى بدأ هذا الاختزال؟

بدأ حين تحول الدين من خطاب إلى نص مغلق.

على الرغم من أن القرآن حذر بوضوح من ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة.

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

لقد أعاد الخطاب الدينى إنتاج اليقين الأحادى فى وقت لاحق، وأقصى السؤال بدل من أن يرحب به. 

فشهدنا صعود القراءة الحرفية، على الرغم من أن القرآن نفسه لم يختزل الإيمان فى ظاهر النص، بل ربطه بالقصد والمعنى.

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ… وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ…﴾

لقد برزت اجتهادات جعلت الكلمات أعلى شأنًا من المقاصد، والنقل أعلى من العقل، والاخطر أن الشكل اصبح أهم من القيمة.

لقد تحولت قراءة واحدة للدين إلى دين كامل ووحيد.

وتحولت تلك القراءة الوحيدة من فهم بشرى إلى “مقدس غير معلن”.

مع أن القرآن يرفض بوضوح فكرة الوصاية.

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾

لقد حول الواقع الدينى الحديث بعض المفاهيم إلى سلطة، تراقب، وتحاكم، وتخوف. 

كأن الله فوضها بالكلام باسمه.

لم يرسل القرآن ليكون أداة ضبط اجتماعى، بل رسالة تحرر.

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾

لكن علينا ألا نغفل أن مثل هذا الاختزال يقوم فى النهاية بخدمة السلطة، يريح الإعلام، ويحول الدين إلى منتج استهلاكى. 

وكانت النتيجة الاخطر التى نتجت عن هذا التوجه هى الخوف من التفكير…

القرآن لا يخاف من السؤال.

لم يقم القرآن أبدا بإدانة السؤال، بل أدان تعطيل العقل.

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾

هذا الخطاب المختزل للأسف قام بتحويل التفكير إلى جريمة أخلاقية.

لقد تم وعن عمد، تغييب هذا التعدد عن وعى العامة، رغم أن القرآن يعترف بالاختلاف.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾

هكذا تم تقديم نسخة واحدة بوصفها هى الإسلام… وما سواها خطر.

لا يدعى هذا المقال امتلاك الحقيقة، بل ببساطة يدعو إلى استعادتها من يد الاختزال.

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾

هى دعوة قرآنية صريحة للجدل العقلى، للحجة، والتفكير الحر.

وفى المقال التالى سنرى كيف أصبحت السلفية هى الإسلام فى وعى العامة؟ 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أفتقدك - "بقلم: حازم فرجانى"

مـن الذى يحكــم مصــر الأن؟الجزء الثالث

!من يعتـذر لمــن