حين تعرف الرياضيات شيئًا لم نكن نعرفه!
يوجد فى الكون العديد من الأشياء التى لم نكن نعرف بوجودها، ونكتشفها فيما بعد ...
فنحن قد نشاهد ظاهرة أو جسمًا ما فى السماء، أو نلتقط إشارة غامضة، فنحاول أن نفهمها والبحث عن القوانين التى تحكمها.
لكن فى بعض الأوقات قد يحدث العكس....
فأحيانًا تخبرنا الرياضيات بوجود شىء ما فى الطبيعة قبل أن نكتشفه بأنفسنا.
فمثلا عندما كان علماء الفلك فى القرن التاسع عشر يدرسون حركة "أورانوس"، لاحظوا أن مداره لا يتفق مع حساباتهم بشكل تام.
بدا الأمر وكأن هناك شيئًا آخر، لا نراه، يؤثر فى حركته.
وباستخدام قوانين الجاذبية وبعض الحسابات الرياضية، أمكن استنتاج وجود كوكب آخر، بل وتحديد مكانه تقريبًا.
وعندما تم توجيه التلسكوبات نحو هذا المكان، اكتشفنا بالفعل ذلك الكوكب المخفى الذى سمى «نبتون».
لم يكن هذا مجرد نجاح فى الحساب، بل كان شيئًا أكثر غرابة.
لقد أخبرتنا الرياضيات أن هناك شيئًا موجودًا، قبل أن نراه.
وإذا انتقلنا إلى عالم الجسيمات، ستصبح الأمور أكثر إثارة.
فقد اقترح العلماء وجود جسيم أطلقوا عليه "النيوترينو"، لأن بعض العمليات الفيزيائية بدت غير مكتملة دون وجود جسيم آخر غير مرئى تقريبًا.
ثم قادتنا المعادلات الرياضية إلى نتيجة غريبة، وهى وجود جسيم يشبه الإلكترون، لكنه يحمل شحنة موجبة.
لم يكن البوزيترون معروفًا فى ذلك الوقت، لكن المعادلة هى التى أشارت إليه، وتم بعد ذلك اكتشافه بالفعل.
وتكرر هذا الأمر، ولكن هذه المرة بصورة أكثر تعقيدًا، مع جسيم "هيجز"، الذى تمت الإشارة إليه نظريًا قبل أن يتم اكتشافه تجريبيًا فى مصادم الهادرونات الكبير.
وهكذا بدأنا نرى نمطًا غريبًا.
فالرياضيات ليست دائمًا مجرد أداة لوصف ما نراه، أحيانًا تصبح وسيلة لمعرفة ذلك الذى لم نره بعد.
لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن ذلك كله، ماذا لو كانت الرياضيات تسمح لنا بتصور أشياء لا وجود لها فى الطبيعة؟
هذه النقطة مهمة جدًا.
لأننا قد نعتقد خطأ أن كل ما يمكن بناؤه رياضيًا لا بد أن يكون موجودًا فى العالم الحقيفى.....
يبدو أن الأمر ليس كذلك بالضرورة...
فالرياضيات يمكنها أن تصف عددًا هائلًا من الاحتمالات، وأن تبنى عوالم كاملة، لكل منها قواعدها وأشكالها وعلاقاتها، على أن الكون، من الناحية الأخرى، ليس ملزمًا بأن يحقق كل ما تسمح به الرياضيات.
فهناك فرق بين ما هو ممكن رياضيًا، وما هو موجود فيزيائيًا فى الطبيعة.
دعونا نتخذ مثالًا حيا على ذلك....
"نظرية الأوتار".
تفترض نظرية الأوتار أنه بدلًا من أن تكون الجسيمات الأولية مجرد نقاط صغيرة، تكون الجسيمات، على مستوى أعمق، عبارة عن وتر بالغ الصغر يهتز بطرق مختلفة.
وعندما حاول الفيزيائيون بناء نظرية كمومية متماسكة للنظرية، ظهرت نتيجة غريبة، وهى أن النظرية نفسها احتاجت إلى أبعاد أكثر من الأبعاد التى نعرفها.
فالأبعاد التى نعرفها فى حياتنا اليومية هى ثلاثة أبعاد مكانية، هم الطول والعرض والارتفاع، بالإضافة إلى بعد الزمن، أى أننا نعيش، فى وصفنا المعتاد للكون، فى أربعة أبعاد.
لكن فى نظرية الأوتار الفائقة تصل الأبعاد إلى ما مجموعه عشرة، تسعة مكانية وبعد واحد للزمن.
وفى نظرية M تصل إلى أحد عشر بعدًا، عشرة مكانية وبعد واحد للزمن.
لكن لأننا لا نرى هذه الأبعاد الإضافية، تفترض النظرية أنها أبعاد ملتفة ومضغوطة بمقاييس متناهية الصغر، بحيث تبدو لنا كأنها غير موجودة.
قد تبدو هذه الفكرة غريبة، لكنها ليست مستحيلة التصور.
فأنت إذا نظرت إلى خرطوم من مسافة بعيدة، قد يبدو لك كأنه مجرد خط ممتد، لكن إذا اقتربت منه، ستكتشف أن هناك اتجاهًا آخر يدور حول محيطه.
لذلك قد تكون تلك الأبعاد موجودة، لكننا لا نراها بنفس الطريقة التى نرى بها الأبعاد الكبيرة.
شكل هذه الأبعاد الإضافية وطريقة التفافها يمكنه أن يؤثر على الخصائص الفيزيائية التى تظهر لنا فى عالمنا، وهناك عدد هائل من الأشكال والحلول الرياضية الممكنة لشرح ذلك.
الا أن ذلك سيؤدى فى النهاية إلى ظهور مشكلة تعرف باسم String Landscape.
فالرياضيات تعطينا عددًا هائلًا من البنى الرياضية التى يمكن أن تقودنا إلى فيزياء مختلفة، لكن يتبقى لدينا السؤال الأهم، أى واحدة منها بالضبط هى كوننا؟
هنا لن تستطيع الرياضيات أن تعطينا الإجابة.
إنها فقط تستطيع أن تقول "هذه البنية الرياضية متسقة."
والطبيعة، من الناحية الأخرى، قد تقول لنا "شكرًا، ذلك جميل جدًا... لكن تلك ليست هى البنية التى أعيش بها."
هذه الجملة، فى حقيقتها، لا تخص نظرية الأوتار وحدها، وإنما تمس جوهر العلاقة ما بين الرياضيات والفيزياء كلها.
فالرياضيات تستطيع أن تخبرنا بما يحدث إذا كانت مجموعة معينة من القواعد صحيحة.
لكن يبقى السؤال الفيزيائى الأهم هو، هل هذه القواعد هى القواعد التى تعمل بها الطبيعة بالفعل؟
وهذا هو السبب فى أن التجربة تظل صاحبة الكلمة الأخيرة.
قد تعطينا المعادلات حلًا جميلًا وأنيقًا.
وقد يكون الحل صحيحًا تمامًا من الناحية الرياضية.
لكن إذا بحثنا عنه فى الطبيعة ولم نجده، فعلينا أن نسأل أنفسنا، هل النظرية تصف بالفعل عالمنا؟
هل هناك افتراض لم ننتبه إليه؟
هل توجد قيود فيزيائية لم ندخلها فى الحساب؟
أم أن هناك شيئًا أعمق لم نفهمه بعد؟
فالرياضيات لا تكذب.
لكنها أيضًا لا تضمن لنا أن ما تصفه موجود فى الطبيعة.
يمكن أن نعود أيضًا إلى مثال آخر، وربما يكون غير متوقع، وهو البروتينات.
فالبروتين يبدأ كسلسلة من الأحماض الأمينية، لكن هذه السلسلة تطوى نفسها بطريقة معقدة جدًا لتكوين بنية ثلاثية الأبعاد، وهذه البنية مرتبطة بوظيفة البروتين.
المشكلة أن عدد الطرق الممكنة التى يمكن أن تطوى بها السلسلة هائل، بحيث ظل العلماء لسنوات طويلة يحاولون فهم العلاقة بين تسلسل الأحماض الأمينية وشكل البروتين النهائى.
ثم جاء الذكاء الاصطناعى.
أنظمة مثل AlphaFold استطاعت، اعتمادًا على التعلم من كميات ضخمة من البيانات، أن تتنبأ بالبنية ثلاثية الأبعاد للعديد من البروتينات من دراسة تسلسلها.
هنا يمكننا أن نرى شيئًا يشبه، بطريقة ما، ما حدث مع الرياضيات فى الفيزياء.
ففى الفيزياء لدينا شىء لا نراه مباشرة، لكن لدينا آثار وعلاقات وبيانات، ومن خلال هذه العلاقات نستطيع الوصول إلى البنية الخفية.
ويفتح هذا سؤالًا هامًا، إذا كان الذكاء الاصطناعى يستطيع أن يساعدنا فى اكتشاف بنية خفية داخل جزىء ما، فهل يمكنه يومًا أن يساعدنا فى اكتشاف بنية خفية للكون؟
ربما يستطيع الذكاء الاصطناعى أن يبحث فى عدد هائل من الحلول الرياضية لنظرية الأوتار، ويجد علاقات لم نلاحظها.
وربما يستطيع أن يحدد نماذج تبدو أكثر توافقًا مع ما نعرفه عن الكون.
وربما يستطيع أن يقترح تنبؤات جديدة يمكن اختبارها.
لكن علينا أن نكون حذرين.
لأن الذكاء الاصطناعى، مهما كان قويًا، لا يستطيع أن يحول الاحتمال الرياضى إلى حقيقة فيزيائية بمجرد أن يجده.
يمكنه أن يقول، "هذا الحل مثير للاهتمام."
لكن الطبيعة هى، فى النهاية، التى تقول لنا، :ولكن هذا هو العالم الذى أعيش فيه."
وهذا هو الفارق بين الرياضيات والواقع.
قد يكون هذا أحد أهم الدروس التى يمكن أن نتعلمها من تاريخ العلم. فأحيانًا كنا نبدأ بما نراه، ثم نكتشف الرياضيات التى تفسره. وفى أحيان أخرى يحدث العكس.
تظهر لنا الرياضيات طريقًا لم نكن نعرف بوجوده، نسير فيه فنجد نبتون، أو البوزيترون، أو جسيم هيجز.
لكن هناك طريقًا ثالثًا....
قد تقودنا الرياضيات إلى العديد من الأبواب، وقد تؤدى بعضها فعلًا إلى أماكن موجودة فى الكون، أو لا تؤدى إلى أى مكان فى عالمنا.
لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقى، هل تستطيع الرياضيات أن تخبرنا بحقيقة الكون؟
وإنما، كيف نعرف أن العالم الذى تسمح به الرياضيات هو نفس العالم الذى اختارته الطبيعة؟
نحن لا نملك الإجابة النهائية.
لهذا السبب تظل العلاقة بين الرياضيات والطبيعة واحدة من أكثر العلاقات غموضًا وإثارة فى العلم.
فالرياضيات تستطيع أن ترسم لنا عددًا لا نهائى من الخرائط.
لكن فى النهاية، هناك أرض واحدة فقط.
وعلينا أن نتذكر دائمًا أنه يمكن لنظرية الأوتار أن تقول: "هذه البنية الرياضية متسقة."
لكن الطبيعة قد تقول، "جميل جدًا... لكنها ليست البنية التى أعيش بها."
وقد تكون مهمتنا نحن، ما بين الرياضيات والتجربة، أن نعرف أى تلك الخرائط هى التى ستقودنا فعلًا إلى حقيقة العالم الذى نعيش فيه.

تعليقات